كان المصاب أردنياً يوم الجمعة الماضية، فنعزي أنفسنا، وعلى رأسنا جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ونتقدم بخالص العزاء إلى ذوي الضحايا، سائلين الله الرحمة لهم والشفاء للمصابين.
وكعادتهم في الشدائد، أظهر الأردنيون أسمى معاني اللحمة الوطنية، فكانوا جسداً واحداً من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. وهذا ليس غريباً على شعب أثبت عبر تاريخه أن أمن الوطن ووحدته يتقدمان على كل الاختلافات، وأن أي مصاب يمس جزءاً منه هو مصاب للأردنيين جميعاً.
ولا يمكن النظر إلى ما حدث بمعزل عن واقع إقليمي مضطرب، تتشابك فيه المصالح والأطماع والمشاريع التوسعية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ومواقفه السياسية، يواجه تحديات وضغوطاً متعددة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول احتمال وجود جهات خارجية تسعى إلى استغلال أي اضطراب داخلي أو تأجيجه لتحقيق مصالحها، وفي مقدمتها القوى الإسرائيلية المتطرفة التي تتعارض مشاريعها مع المصالح الوطنية الأردنية. غير أن وجود مستفيد محتمل من الفوضى لا يعني بالضرورة ضلوعه في أحداث الجمعة، وهو أمر لا يمكن الجزم به إلا استناداً إلى التحقيقات والأدلة.
لكن ماذا بعد الجمعة السوداء؟ وهل يكفي أن نتضامن وندين، أم أن ما حدث يفرض علينا طرح أسئلة تتجاوز الجريمة نفسها إلى الظروف التي قد تسمح بتكرارها؟
أول هذه التساؤلات يتعلق بالفكر المتطرف، ومدى استمرار وجوده في بعض البيئات الاجتماعية، وما أنجزته مؤسساتنا المدنية والتعليمية والدينية في مواجهته. فالتطرف لا يبدأ بالضرورة عند ارتكاب الجريمة، بل قد تسبقه مراحل من العزلة والانغلاق والتأثر بخطابات الكراهية. وهنا تبرز أهمية مراجعة دور هذه المؤسسات في بناء الوعي وتعزيز ثقافة الحوار والانتماء الوطني.
ولا يمكن فصل ذلك عن حالة الإحباط التي يعيشها بعض الشباب نتيجة البطالة والفقر وضعف الفرص، وما يرافقها من تأثير متزايد لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل القناعات ونشر الأفكار المتشددة والمعلومات المضللة. وهذه الظروف لا تبرر التطرف ولا تعني وجود ارتباط حتمي بين الفقر والجريمة، لكنها تطرح تساؤلاً حول مدى قدرتنا على حماية الشباب من محاولات الاستقطاب والاستغلال.
ويبقى التساؤل الأمني حاضراً: هل كشفت الأحداث عن ثغرات تستوجب المعالجة؟ وهل هناك ما يمكن تطويره في آليات الوقاية والاستباق؟ إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من كفاءة أجهزتنا الأمنية وتضحيات منتسبيها، بل ينطلق من الثقة بها والحرص على تعزيز قدراتها. فالمراجعة المؤسسية الموضوعية ضرورة في مواجهة أخطار تتغير أدواتها وأساليبها باستمرار.
إن ما حدث يوم الجمعة لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء مراسم العزاء، بل أن يشكل مدخلاً لمراجعة وطنية تتكامل فيها مسؤوليات المؤسسات الأمنية والمدنية والاجتماعية. فتماسك الجبهة الداخلية لا يتحقق بالتضامن عند وقوع المصاب وحده، وإنما بمعالجة أسباب الضعف وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساته.
فالأردن الذي تجاوز عبر تاريخه كثيراً من التحديات والمخاطر، يستمد قوته من تماسك شعبه وصلابة مؤسساته، ومن قدرته على تحويل الأزمات إلى دروس تحصن مستقبله.