الأردن أرض الوئام .. لا خوف على وطن يتقدم ملكه الصفوف
الدكتور علي الحموري
24-10-2026 08:04 PM
لم يكن الأردن يومًا مجرد مساحة جغرافية، بل وطنًا تشكّلت هويته على التسامح والتآخي واحترام التنوع الديني والاجتماعي. فقد عاش الأردنيون، على اختلاف انتماءاتهم، في ظل قيم المواطنة والتكافل، وأدركوا أن وحدتهم الوطنية ليست شعارًا للمناسبات، وإنما مسؤولية تتأكد في أوقات الشدة.
وجاء الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأسفر عن استشهاد مواطنين وإصابة آخرين، ليضع هذه القيم أمام اختبار جديد. فالاعتداء على مكان للعبادة لا يستهدف المصلين وحدهم، بل يمس أمن المجتمع وحرية الدين والمعتقد، ويحاول النيل من تاريخ طويل من العيش المشترك.
وفي مواجهة هذه الجريمة، جاءت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي، حاسمة وواضحة. فقد أكد جلالته أنه «لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيين»، وأن أمنهم وسلامتهم خط أحمر، مشددًا على ضرورة فرض سيادة القانون وهيبة الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الإرهاب وفق أحكام القانون.
إن الأردن لا خوف عليه ما دام جلالة الملك في مقدمة الصفوف، حاضرًا في اللحظات الصعبة، ومؤكدًا أن حماية المواطن ووحدة الوطن تتقدمان على كل اعتبار. لكن الثقة بالقيادة تكتمل بقوة المؤسسات، وفعالية الأجهزة المختصة، واستقلال العدالة، ووعي المجتمع بمسؤوليته في مواجهة الخوف والفتنة.
ومن منظور قانوني، فإن الحق في الحياة والأمن الشخصي وحرية الدين والمعتقد حقوق أساسية يحميها الدستور الأردني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ولا تنفصل مواجهة الإرهاب عن احترام هذه الحقوق؛ فالحزم المطلوب يجب أن يقترن بالتحقيق المهني والمساءلة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة، لأن سيادة القانون هي مصدر قوة الدولة ومشروعيتها.
كما أن الدعوة الملكية إلى ملاحقة من يؤيد الفعل الإرهابي أو يبرره تقتضي تطبيق النصوص الجزائية بدقة، والتمييز بين التحريض أو الترويج المجرَّم قانونًا وبين التعبير المشروع عن الرأي. فلا مسؤولية جزائية دون نص قانوني وفعل تتوافر فيه أركان الجريمة، ولا يجوز أن يتحول الغضب المشروع إلى أحكام مسبقة أو اتهامات جماعية.
وتكتسب توجيهات جلالة الملك بمراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه أهمية بالغة. فالمعالجة الأمنية ضرورة، لكنها لا تغني عن الوقاية عبر التعليم والخطاب الديني المسؤول والإعلام المهني، وتعزيز التفكير النقدي وثقافة الحوار. كذلك فإن إطلاع المواطنين على مستجدات التحقيق، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، يحمي الثقة العامة ويحد من محاولات استغلال الجريمة لإثارة الانقسام.
ولأن الإرهاب يسعى إلى تحويل الجريمة إلى شرخ اجتماعي، فإن مسؤولية المجتمع لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات. فالتضامن مع الضحايا وأسرهم، واحترام مشاعرهم، ورفض التشهير أو تداول الصور المؤذية، مواقف تعبر عن جوهر المواطنة. ويجب ألا تتحول منصات التواصل إلى ساحات لإصدار الأحكام أو تبادل الاتهامات؛ فالمعلومة الموثوقة، والكلمة المسؤولة، والاحتكام إلى القضاء، جميعها أدوات لحماية السلم الأهلي وتعزيز ثقة الأردنيين بأن العدالة ستأخذ مجراها دون تمييز أو استثناء. وهذا يضمن حقوق المتضررين ويسهم في منع تكرار هذه الاعتداءات.
أما الكرك، بتاريخها ومواقف أهلها، فهي أكبر من أن تختزلها جريمة، وأبعد من أن تُحمَّل مسؤولية فعل ارتكبه أفراد. فالمسؤولية الجزائية شخصية، ولا يُساء إلى محافظة أو عشيرة أو جماعة دينية بسبب جناة لا يمثلونها. وما أصاب الكرك أصاب الأردن كله؛ فحرمة دور العبادة وكرامة المواطنين وأمنهم لا تتجزأ.
سيبقى الأردن أرض الوئام، وستبقى الكرك عنوانًا للأصالة والانتماء. ولا خوف على وطن يتقدم ملكه الصفوف، ويلتف أبناؤه حول القانون والعدالة والوحدة الوطنية.
رحم الله الشهداء، وشفى المصابين، وحفظ الأردن وأهله من كل سوء.