الأردن لا يُختبر في وحدته ولا يُساوَم على أمنه .. كنيسة حمود في الكرك والزي العسكري لجلالة الملك
د. فاطمة العقاربة
23-10-2026 08:59 PM
ليست جريمة كنيسة حمود في الكرك حادثة أمنية عابرة يمكن تجاوزها ببيان إدانة أو بعبارات الاستنكار التقليدية؛ إنها جريمة خطيرة تستدعي قراءة وطنية وسياسية وأمنية معمّقة، لأنها استهدفت مواطنين في محيط دار عبادة، ووضعت أمن المجتمع ووحدته الوطنية أمام اختبار بالغ الحساسية.
حين تمتد يد العنف إلى جنازة، وحين يتحول مكان يفترض أن يكون مساحة للصلاة والسكينة والوداع الإنساني إلى مسرح لإراقة الدماء، فإن المسألة تتجاوز الجريمة بحق الضحايا إلى الاعتداء على حق المجتمع كله في الأمن والطمأنينة والتعايش.
ان استهداف الكنيسة هواعتداء على الأردن كله
لان كنيسة حمود ليست قضية تخص المسيحيين وحدهم، كما أن حماية المساجد لا تخص المسلمين وحدهم. دور العبادة في الأردن جزء من النسيج الوطني، والاعتداء عليها اعتداء على الدولة ومواطنيها، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
لقد تأسست الهوية الأردنية على المواطنة والعيش المشترك، وعلى حقيقة راسخة مفادها أن الأردنيين شركاء في الوطن والمصير، وأن الاختلاف الديني لا يمكن أن يكون مدخلاً للفرقة أو ذريعة للعنف.
فإن أي محاولة لتوظيف هذه الجريمة في إثارة النعرات الطائفية أو زرع الشك بين أبناء المجتمع الواحد تمثل خطراً إضافياً ينبغي التصدي له بالوعي والمسؤولية، لا بالشائعات ولا بالانفعالات غير المحسوبة.
وان ظهور جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم بالزي العسكري يحمل دلالة وطنية وسيادية واضحة في سياق مواجهة هذا الحدث؛ فالزي العسكري ليس مجرد مظهر بروتوكولي، بل يرتبط بمسؤولية القائد الأعلى للقوات المسلحة عن أمن الوطن واستقراره، وبالمؤسسة العسكرية التي تمثل ركناً أساسياً من أركان حماية الدولة.
وفي القراءة السياسية، يمكن فهم هذه الصورة بوصفها رسالة تؤكد أن أمن الأردنيين ووحدة المجتمع ليسا موضوعاً هامشياً، وأن الدولة تتعامل مع الاعتداء على مواطنيها باعتباره قضية أمن وطني تستوجب الحزم واليقظة والمساءلة.
لكن قوة الدولة لا تُقاس بالمشهد وحده، بل بما يتبعه من إجراءات مهنية دقيقة، وتحقيقات موثوقة، ومحاسبة عادلة، وقدرة على منع تكرار الجريمة.
فالرسالة الأهم أن الأردن لا يفصل بين حماية أمنه وحماية نسيجه الوطني؛ فكلاهما وجهان لسيادة الدولة ومسؤوليتها تجاه مواطنيها.
وأمن الدولة يبدأ من كشف الحقيقة لا من تداول الشائعات
في القضايا ذات الحساسية الأمنية، حيث تصبح المعلومة الدقيقة جزءاً من منظومة الأمن الوطني. ولذلك، فإن التحقيق في جريمة بحجم حادثة حمود يجب أن يحدد المسؤوليات والملابسات والدوافع استناداً إلى الأدلة، بعيداً عن التخمينات والأحكام المسبقة.
ولا يجوز استباق نتائج التحقيق، أو إلصاق التهم بأفراد أو جماعات دون أدلة، أو تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات لمحاكمات افتراضية.
إن الحزم الأمني الحقيقي يعني الوصول إلى الحقيقة، وملاحقة المسؤولين وفق القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مع حماية حقوق المواطنين وصون العدالة.
واعلان الجهات الرسمية حظر النشر في القضية التحقيقية، هو ما يجعل الالتزام بالمعلومات الصادرة عن الجهات المخولة ضرورة قانونية ومهنية، وليس مجرد خيار إعلامي.
*فالمواجهة العسكرية والأمنية لا تنفصل عن حماية الوعي الوطني وأن التحديات
الأمنية لا تُواجه بالقوة الميدانية وحدها؛ فهناك أيضاً معركة الوعي، التي تستهدف الثقة بالمؤسسات، وتغذية الانقسامات، واستغلال الأحداث المؤلمة لبث الخوف والفتنة.
ومن ناحية استراتيجية، فإن حماية الأردن تتطلب تكاملاً بين الأجهزة الأمنية، والمؤسسات العسكرية، والإعلام المسؤول، والمؤسسات الدينية والتربوية، إلى جانب وعي المواطنين بخطورة نشر الأخبار غير الموثقة.
كما تتطلب مراجعة أي ثغرات أمنية تكشفها التحقيقات، وتعزيز إجراءات الوقاية والاستجابة، والتعامل مع المؤشرات والتهديدات وفق تقييم مهني يستند إلى الوقائع.
فالصرامة لا تعني إطلاق الاتهامات، والقوة لا تعني تجاوز القانون؛ بل تعني أن تكون الدولة قادرة على حماية الناس، وكشف الحقيقة، ومنع تكرار الاعتداء، من دون السماح للمجرمين بتحقيق أي هدف يرمي إلى تفكيك المجتمع أو زعزعة استقراره لان الأردن أقوى بوحدته، لا بانقسام أبنائه
و إن رسالة عمان في جوهرها تقوم على الاعتدال والتسامح واحترام الإنسان، وهي قيم تنسجم مع الهوية الأردنية التي صاغتها عقود من التعايش والشراكة الوطنية.
وفي الكرك، كما في عمّان وإربد والعقبة وسائر محافظات المملكة، لا توجد كرامة وطنية مجزأة، ولا أمن لفئة بمعزل عن أخرى. أمن المسيحي الأردني هو أمن المسلم الأردني، وحرمة الكنيسة من حرمة المسجد، والاعتداء على أي مواطن اعتداء على حق الجميع في الحياة الآمنة.
ولا ينبغي أن تتحول هذه الجريمة إلى فرصة لتغذية خطاب الكراهية، بل إلى مناسبة لتأكيد أن القانون فوق الجميع، وأن الدولة مسؤولة عن حماية جميع مواطنيها دون تمييز.
فهيبة الدولة في الحزم والعدالة راسخة وثابتة وإن جريمة كنيسة حمود تستوجب موقفاً وطنياً حازماً، وتحقيقاً مهنياً يكشف الحقيقة، وإجراءات أمنية تضمن حماية المواطنين ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة وفق القانون.
أما الزي العسكري لجلالة الملك، فيحمل في هذا السياق دلالة سيادية مرتبطة بمسؤولية القيادة عن أمن الوطن، ويذكّر بأن حماية الأردن ليست شعاراً يُرفع، بل واجب مؤسسي دائم يتطلب الجاهزية والانضباط والمساءلة.
إن الأردن لا يحتاج إلى خطاب يضخم المخاوف، ولا إلى شائعات تستبق التحقيق؛ بل يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك بوعيه، وإعلام مسؤول، وعدالة لا تتهاون مع الجريمة ولا تتجاوز القانون.
رسالتنا واضحة: لا للطائفية، لا للإرهاب، لا للعبث بأمن الأردن، ولا للمساس بوحدة الأردنيين.
سيبقى الأردن وطناً لجميع أبنائه، وستبقى المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وسيظل القانون هو الفيصل، والأمن الوطني مسؤولية لا تقبل التهاون، والوحدة الوطنية خطاً لا يجوز تحويله إلى ساحة للمساومة.