في أيامٍ قليلة، عاد اسم «محمد» إلى واجهة المشهد، لكن من بابين متباعدين. في الولايات المتحدة، سخر دونالد ترامب من شيوع الاسم، مستخدمًا إياه في حديثه عن المسلمين.
وفي الأردن، كان الدكتور محمد القسوس، المسيحي الأردني وطبيب الفقراء، يلفظ أنفاسه متأثرًا بإصابته في الهجوم الذي استهدف مشيّعين أمام كنيسة في الكرك.
أهي مصادفة أن يتردد اسم محمد في خطابٍ يختزله في صورة نمطية، ثم يحمله رجلٌ مسيحيٌّ أردنيٌّ أحبّه الناس لعطائه وإنسانيته؟ لا أبحث عن علاقة بين الحدثين، ولا أزعم أن بينهما صلة؛ لكن تقاربهما يوقظ في النفس سؤالًا أكبر: كيف يمكن لاسمٍ أن يكون جسرًا بين الناس، بينما يحاول البعض تحويله إلى عنوانٍ للفرقة؟
محمد القسوس لم يكن اسمًا في خبرٍ عاجل فحسب. كان طبيبًا عُرف بمساعدة الفقراء، وكان إنسانًا عاش بين أهله، مسلمين ومسيحيين، في وطنٍ خبر معنى الجيرة والتآخي. وحين امتدّ إليه رصاص الإرهاب، لم يسأل الرصاص عن دينه، كما لم يسأل عن دين بقية الضحايا. لقد أصاب أردنيين، وأصاب معهم معنى الأمان الذي يجمعهم.
يا لها من مفارقة مؤلمة: اسمٌ يُتخذ مادةً للسخرية في مكان، ورجلٌ يحمل الاسم نفسه يُشيّعه الناس في مكان آخر، مسيحيًا أردنيًا، محاطًا بمحبة أبناء وطنه. هنا لا ينتصر اسمٌ على اسم، ولا دينٌ على دين؛ هنا يظهر "الإنسان"، وتنكشف قسوة من يستهدف الحياة والناس لمجرد اختلافهم.
رحم الله الشهيد "محمد القسوس"، ورحم جميع ضحايا الاعتداء. سيبقى اسمه شاهدًا على أن الأسماء لا تحدد قيمة الإنسان، وأن المحبة أوسع من الطوائف، وأن الإرهاب مهما حاول أن يزرع الخوف والفرقة، لن يستطيع أن يمحو ما بناه الأردنيون من أخوّة وانتماء.
يا له من قدرٍ موجع… أن يرحل رجلٌ اسمه "محمد"، "مسيحيًّا"، وهو بين أهله، في بلدٍ يعرف أن الوطن يتّسع للجميع.