facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل فشلنا؟


حسن عبدالحميد الرواشدة
25-10-2026 02:50 PM

ليس السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بعد جريمة كنيسة الكرك من أطلق النار فقط؟ بل كيف وصلنا، بعد كل هذه السنوات من الحديث عن الاعتدال والتسامح والعيش المشترك، إلى لحظة يستطيع فيها إنسان أن يصوّب سلاحه نحو أناس يودّعون ميتًا؟ ما الذي جرى في الطريق بين القيم التي نعلنها والسلوك الذي ننتجه؟ وأين أخفقنا، في بناء الوعي الذي يفترض أن يجعل مثل هذه الجريمة مستحيلة أخلاقيًا قبل أن تكون مستحيلة أمنيًا؟

قد تكون وراء الجريمة حسابات سياسية تتجاوز حدود الأردن. وقد يكون هناك من يريد ضرب صورته في الخارج، خصوصًا في لحظة يتصاعد فيها الاشتباك السياسي والإعلامي حول النموذج الأردني في التعايش الديني، في مقابل الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين. ولا يجوز استبعاد أي فرضية قبل اكتمال التحقيقات، لكن لا يجوز أيضًا تحويل الفرضيات إلى حقائق. فحتى لو ثبت يومًا وجود تدبير خارجي، فإن ذلك لن يلغي سؤالًا داخليًا بالغ الأهمية، كيف يمكن لفكرة متطرفة أن تجد إنسانًا مستعدًا لتحويلها إلى رصاص؟
ليست المؤامرة، إن وجدت، تفسيرًا كافيًا لكل شيء. فالأيدي الخارجية لا تصنع بالضرورة كل الأفكار التي تستثمر فيها، وقد تستغل شقوقًا موجودة أصلًا في البنية الاجتماعية والثقافية. ولهذا فإن الاكتفاء بالبحث عن الجهة التي تقف وراء الجريمة، على ضرورته، قد يحجب عنا البحث في الظروف التي تسمح بإنتاج الاستعداد للعنف. وليس في ذلك اتهام للمجتمع الأردني، بل دفاع عنه من خلال إخضاع تجربته للمراجعة.

منذ أكثر من عقدين، قدّم الأردن نفسه بوصفه نموذجًا للاعتدال الديني. أُطلقت رسالة عمّان عام 2004، وتوالت المبادرات والمؤتمرات والبرامج التي تدعو إلى الحوار ونبذ التطرف، وأُنشئت مؤسسات ومراكز، وأُنفقت موارد، وتحدثنا طويلًا عن التسامح والتعددية واحترام الآخر. وليس من الإنصاف إنكار أثر هذه الجهود، لكن من المشروع، بل من الواجب، أن نسأل اليوم عن نتائجها الفعلية، لا عن عدد الأنشطة التي أُقيمت تحت عناوينها.

هل كنا نقيس تغير الأفكار، أم نحصي المشاركين في الندوات؟ هل كنا نختبر قدرة التعليم على إنتاج عقل نقدي، أم نكتفي بإضافة مفردات التسامح إلى الكتب المدرسية؟ وهل وصل خطاب الاعتدال إلى البيوت والأحياء والفضاءات الرقمية، أم بقي في قاعات المؤتمرات والبيانات الرسمية؟

الأخطر أن نكون قد تعاملنا مع التطرف بوصفه مشكلة أمنية فقط، بينما هو، قبل أن يتحول إلى فعل إجرامي، مسار طويل من التكوين الفكري والنفسي والاجتماعي. يبدأ أحيانًا من كلمة إقصائية تُقال بلا اعتراض، أو صورة نمطية تتكرر في البيت، أو تفسير ديني لا يعترف بالاختلاف، أو خطاب عام يقسم الناس إلى جماعات متفاضلة في الوطنية والانتماء والحق في الوجود.

وهنا يصبح السؤال عن المدرسة والمنهج والمسجد والكنيسة والجامعة والإعلام والأسرة سؤالًا عن المسؤولية المشتركة، لا عن توزيع الاتهامات. فلا يكفي أن نعلّم أبناءنا أن المسيحي والمسلم يعيشان معًا منذ قرون، إذا لم نعلّمهم أن المواطنة ليست منحة من أغلبية لأقلية، وأن المساواة ليست تسامحًا مع المختلف، بل حق أصيل لا يحتاج إلى إذن أحد.

وربما كانت إحدى مشكلاتنا أننا بالغنا في الاحتفاء بصورة التعايش، حتى تراجع اهتمامنا باختبار عمقها. فالتعايش ليس صورة تجمع رجال دين يتبادلون التهاني، ولا خطابًا جميلًا في مناسبة وطنية، على أهمية هذه الرموز. إنه منظومة قيم تُختبر عندما يغيب المسؤول والكاميرا، وعندما يختلف الناس في معتقداتهم ومواقفهم، وعندما يصبح الدفاع عن حق المختلف موقفًا أخلاقيًا لا مجاملة اجتماعية.

ولا تعني جريمة واحدة أن مجتمعًا بأكمله قد فشل. فليس هناك مجتمع محصّن بالكامل ضد التطرف، ولا تستطيع أي منظومة تعليمية أو ثقافية أن تضمن عدم ظهور فرد مستعد للعنف. كما أن وجود مجرمين لا يثبت وحده وجود بيئة حاضنة واسعة لهم. لكن الجريمة بهذا الحجم تكفي لتبرير مراجعة جادة، لأن السؤال ليس عن عدد المتطرفين وحده، بل عن قدرتنا على اكتشاف مسارات التطرف ومواجهتها قبل أن تتحول إلى مأساة.

ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله الآن أن نكتفي بموجة الغضب الوطني، ثم نعود إلى حياتنا مطمئنين إلى أن ما جرى استثناء عابر. فقد أثبت الأردنيون مرارًا قدرتهم على التضامن في مواجهة الأزمات، لكن التضامن، مهما بلغت قوته، لا يغني عن النقد والمحاسبة والإصلاح. ولا ينبغي أن تتحول صلابة المجتمع إلى ذريعة لإعفاء مؤسساته من الأسئلة الصعبة.

نحتاج إلى مراجعة حقيقية، تبدأ من تقييم مستقل لبرامج مكافحة التطرف، وتمر بإعادة النظر في أدوات التربية الدينية والمدنية، وتصل إلى مساءلة الخطاب الإعلامي والاجتماعي الذي قد يتسامح مع الإقصاء ما دام لم يتحول إلى عنف. نحتاج إلى معرفة ما الذي تغيّر في وعي الأجيال، وما الذي لم يتغير، ولماذا. والأهم أن تكون نتائج هذه المراجعة قابلة للقياس والمساءلة، لا أن تنتهي بمؤتمر جديد عن التسامح.

الأردن ليس بحاجة إلى اختراع تاريخ جديد للتعايش، فتاريخه الاجتماعي يحمل شواهد حقيقية على الشراكة بين أبنائه. لكنه بحاجة إلى ألّا يتحول هذا التاريخ إلى شهادة صلاحية دائمة نعفي بها أنفسنا من فحص الحاضر.

إن حماية صورة الأردن في الخارج مهمة، لكن حماية الإنسان الذي يصنع هذه الصورة أهم بكثير. فالدول لا تُقاس فقط بما تقوله عن قيمها، بل بما تستطيع هذه القيم أن تمنعه من الحدوث.

ربما لم نفشل في صناعة الإنسان، لكننا لا نملك ترف إعلان النجاح لمجرد أننا تحدثنا طويلًا عن التسامح. وبين الفشل والنجاح مساحة واسعة من الأسئلة المؤجلة، أخشى أن نكون قد تركنا الإجابة عنها للرصاص.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :