facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قتلةٌ في حضرة الموت .. حين يتحوّل العقل المسموم إلى مقبرةٍ للإنسانية!


أ. د. هاني الضمور
24-10-2026 03:18 PM

حين يبلغ التطرف حدَّ مطاردة الحزانى في جنازاتهم، فإن الجريمة لا تعود مجرد اعتداء على أرواح بريئة، بل إعلانًا عن انهيار الضمير الإنساني، ومحاولةً لاغتيال الرحمة باسم أفكارٍ لا تعرف من الدين إلا ما تشوّهه، ولا من الحياة إلا ما تدمّره.

هناك جرائم تُزهق فيها الأرواح، وجرائم يُغتال فيها الضمير، وجرائم تتجاوز بشاعتها حدود التصوّر، حتى يصبح السؤال ليس كيف وقعت، بل كيف استطاع عقلٌ بشري أن ينحدر إلى هذا الدرك من الوحشية؟

وما شهدته بلدة حمود في الكرك من اعتداء على حرمة جنازة ليس مجرد حادثة دامية، بل صدمة أخلاقية وإنسانية تكشف عن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات: عقلٌ تلوّث بالكراهية حتى بات يرى في دم الأبرياء انتصارًا، وفي أحزان الآخرين فرصةً لممارسة الإجرام.

أيُّ ظلامٍ هذا الذي يجعل إنسانًا يحمل الموت إلى أناسٍ جاءوا يودّعون موتاهم؟ وأيُّ انحطاطٍ فكري يجعل دموع الأمهات، ووجع الآباء، وحرمة الجنازات، مشاهد لا توقظ الرحمة ولا تستدعي الخجل؟

إنها جريمة تتجاوز فعل القتل إلى محاولة اغتيال المعنى الإنساني للحياة. فالقاتل لا يسلب ضحيته عمرها فحسب، بل يحاول أن يسلب المجتمع طمأنينته، والوطن وحدته، والإنسان ثقته بأخيه الإنسان.

فالرصاصة تقتل الجسد مرةً واحدة، أما الفكر المسموم فيحاول قتل المجتمع ألف مرة.

إن التطرف لا يولد فجأةً في يدٍ تضغط الزناد، بل يبدأ حين تُزرع الكراهية في العقل، ويُقدَّم الاختلاف بوصفه عداوة، ويُصوَّر الآخر وكأنه خطرٌ يجب التخلص منه. ثم تتراكم الأوهام حتى يتحول الجهل إلى عقيدةٍ زائفة، والتعصب إلى يقينٍ أعمى، والجريمة إلى بطولةٍ متخيَّلة.

والأشد فداحة أن يتستر هذا الانحراف خلف الدين، وكأن الخالق الذي كرّم الإنسان يحتاج إلى من يسفك دماء عباده دفاعًا عنه!

إن الله لا يحتاج إلى قاتلٍ يحمي دينه، ولا إلى متطرفٍ يرفع اسمه فوق جثث الأبرياء.

فأيُّ إيمانٍ ذاك الذي لا يعرف الرحمة؟ وأيُّ عقيدةٍ تلك التي تُجيز ترويع الآمنين؟ وأيُّ ضميرٍ يستطيع أن يتحدث عن الفضيلة بينما يبرّر انتهاك حرمة الحياة والموت؟

إن المشكلة ليست في اختلاف الأديان، بل في العقول التي ترفض حق الآخرين في الوجود، وفي الفكر الذي يريد تحويل الأرض إلى ساحة صراعٍ دائم، لا مكان فيها للمحبة أو التعايش أو السلام.

ولم تكن الكرك يومًا غريبةً عن معاني الأخوّة. ففي ذاكرتها تاريخٌ من الجيرة والمروءة، وفي بيوتها خبزٌ اقتسمه المسلم والمسيحي، وفي أفراحها وأحزانها حكاياتٌ تؤكد أن الوطن أكبر من الطائفة، وأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمعتقد.

ومن يظن أن الاعتداء على مسيحيٍّ جريمة تخص المسيحيين وحدهم، لم يفهم معنى الوطن. فالاعتداء على أي مواطنٍ بسبب دينه هو اعتداء على أمن الجميع وكرامتهم.

فالدم حين يُراق لا يسأل عن هوية صاحبه، والدمعة حين تنحدر لا تحمل شهادةً دينية، والموت حين يخطف الأحبة لا يفرّق بين أجراس الكنائس وأصوات المآذن.

لكن الإدانة وحدها لا تكفي، والغضب مهما اشتدّ لا يقتلع جذور التطرف. إننا بحاجة إلى مواجهة الفكر الذي يصنع المجرمين قبل أن تتحول أفكاره إلى رصاص، وإلى تعليمٍ يحصّن العقول، وخطابٍ دينيٍّ يرفض التحريض، وعدالةٍ تُحاسب المسؤولين دون تهاون.

ولا يجوز أن تتحول دماء الضحايا إلى ذريعةٍ لكراهيةٍ مضادة، فذلك هو الانتصار الذي يتمناه دعاة الفتنة. إن الردّ الحضاري أن نحمي وحدتنا، ونصون اختلافنا، ونرفض تحميل الأبرياء وزر المجرمين.

أما الذين رحلوا، فليسوا أرقامًا في خبرٍ عابر؛ إنهم حياةٌ انطفأت، وبيوتٌ فقدت دفأها، وقلوبٌ سيبقى فيها فراغٌ لا تملؤه الكلمات.

سلامٌ على أرواحهم، والرحمة لهم، والصبر لأهلهم، والسلام على الكرك والأردن، وعلى كل أرضٍ ترفض أن تتحول العقيدة فيها إلى سلاحٍ ضد الإنسان.

وليعلم دعاة الظلام أن بإمكانهم اغتيال الأجساد، لكنهم لن يستطيعوا اغتيال وطنٍ يعرف أن المحبة أقوى من الرصاص، وأن الأخوّة أعمق من الكراهية.

فأبشع الجرائم ليست أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان، بل أن يصل الفكر الملوّث إلى إقناعه بأن القتل طريقٌ إلى الجنة… بينما هو في الحقيقة سقوطٌ إلى قاع الوحشية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :