facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قبل الرصاصة… جملة


سارة طالب السهيل
27-10-2026 11:53 AM

قبل أن يحمل الإرهابي سلاحًا، قد يحمل يقينًا بأن الآخرين لا يستحقون الحياة التي يستحقها هو. وقبل أن يرى في قتلهم جريمة، يتعلم أن يسميهم بأسماء تنزع عنهم البراءة والكرامة، وأن يصف الاعتداء عليهم بما يمنحه شعورًا بالبطولة. في هذه المسافة بين الإنسان والاسم الذي يُلصَق به، تعمل لغة التطرف؛ تضيق مساحة السؤال، ويتسع الاتهام، ويصبح الاختلاف ذنبًا، ثم يصبح إيذاء المختلف أمرًا يمكن تبريره.

يقلقني أن نرفض الإرهاب حين يقع، ثم نتسامح مع الكلام الذي يمهّد له حين يُقال أمامنا. نستنكر الجريمة، لكننا قد نسكت عن عبارة تجرّد الضحية من إنسانيتها، أو نضحك من نكتة تحتقر طائفة، أو نترك طفلًا يصف زميله بالكفر لأن أسرته تختلف عن أسرته. ثم نستغرب كيف يكبر بيننا من لا يرى للآخر حقًا في الحياة.

وأخشى على الطفل الذي يسمع الكراهية بصوت أشخاص يحبهم ويثق بهم. يسمعها في البيت، وفي مجلس العائلة، ومن صديق، وعبر هاتفه، فيحفظها قبل أن يفهم معناها. وحين تتكرر على مسامعه، قد تصبح طريقته في الحكم على الناس. يعرف من ينبغي أن يكرهه قبل أن يعرف من هو، ويصدر حكمه على إنسان لم يجلس معه يومًا.

لهذا أرى أن مواجهة التطرف تحتاج إلى شجاعة داخل بيوتنا أيضًا؛ شجاعة مراجعة ما نقوله، وما نسمح بقوله أمام أبنائنا، وما نعيد نشره دون تفكير. علينا أن نتوقف عند الجملة التي تعلّم الاحتقار، وعند النبرة التي تجعل القسوة فضيلة، وعند الضحكة التي تكافئ الإهانة.

«هذا كافر»، «هؤلاء كلهم كفار»، «من ليس على مذهبنا ضال»، «نحن وحدنا أهل الحق»، «لا خير خارج منظمتنا»، «من لم ينضم إلينا فقد اختار الباطل». في مثل هذا الخطاب تُختصر حياة الإنسان في حكم يُلقى عليه، وتُمحى أعماله وأخلاقه، كأن المتحدث يعرف ما في القلوب ويملك سلطة على مصائر الخلق.

وحين تحتكر المنظمة المتطرفة الحقيقة، تصبح المرجع الوحيد الذي يحدد للإنسان من يحب ومن يكره، وماذا يسمع وماذا يرفض. يُمنح المنتمي إليها شهادة صلاح، ويصبح الابتعاد عنها تهمة تحتاج إلى دفاع. ومن أخطر ما في ذلك أن يطمئن الإنسان إلى صلاحه بمجرد انتمائه، فلا يعود يسأل نفسه عما يفعل.

ثم نسمع: «لن يدخلوا الجنة مهما فعلوا»، «أعمالهم الطيبة لا قيمة لها»، «مهما ساعدوا الناس فلن ينفعهم ذلك»، «نحن أهل الجنة وهم أهل النار». يتحدث قائلها كأنه اطّلع على الغيب، ويمنح نفسه سلطة توزيع الرحمة والحكم على مصائر البشر. ويكبر الطفل أمام هذه الأحكام وهو يتعلم أن يحتقر خيرًا يراه بعينيه، وأن يستخف بإحسان إنسان لأن اسمه أو دينه مختلف. أي غرور نزرعه فيه حين نعلّمه أن يضمن النجاة لنفسه، ويغلق أبواب الرحمة في وجوه الآخرين؟

ويزداد الأمر قسوة حين يموت إنسان، فيخرج من يقول: «لا تترحم عليه»، «لا يجوز أن تحزن عليه»، «دعه ينفعه دينه»، «هذا يستحق ما جرى له»، «ارتَحنا منه». أتساءل عما نزرعه في الطفل حين يسمع بالغًا يشمت بالموت، أو يوبّخ شخصًا لأنه تألم لفقد إنسان. أي ضمير ننتظر أن ينمو فيه ونحن نعلّمه أن الرحمة تحتاج إلى موافقة المنظمة؟

ما يؤلمني في استخدام عبارة «لا تترحم عليه» لإسكات الحزن، أن صاحبها يريد أن يفرض قسوته على غيره. يريد أن يتحكم حتى في دمعة تسقط من عين إنسان، وفي كلمة مواساة تُقال لأسرة مفجوعة.

ومن القسوة نفسها تأتي عبارات: «لا تعزّهم»، «لا تواسهم»، «مصيبتهم لا تعنينا»، «دعهم يتألمون»، «لماذا تساعدهم وهم ليسوا منا؟». هكذا تُربّى النفس على الفرز حتى في أشد لحظات البشر ضعفًا. يقف المحتاج أمامنا، فنسأل عن طائفته قبل حاجته، ويقع الظلم على إنسان، فنبحث عن انتمائه قبل أن نقرر إن كان يستحق دفاعنا.

ومن العبارات التي تؤلمني أيضًا: «لا تتبرع لهم»، «اترك فقراءهم لأبناء دينهم»، «لا تطعمهم»، «لا تساعد في علاجهم»، «دع أهلهم ينفعونهم»، «مساعدة هؤلاء تقوّيهم علينا». هنا تتحول حاجة الإنسان إلى مناسبة لمعاقبته على هويته. يُترَك الجائع لجوعه، والمريض لوجعه، ويُطلَب منا أن نسكت ضمائرنا لأن المحتاج مختلف عنا. ماذا نعلّم طفلًا يسمعنا نرفض إنقاذ طفل مثله، لمجرد أنه وُلد في أسرة من دين آخر؟

ولا أنسى عبارات الشماتة بالكوارث: «هذا عقاب لهم»، «يستحقون ما أصابهم»، «دعهم تحت الأنقاض»، «لا تنقذوهم». تحت الركام بشر ينتظرون النجدة، وبينهم أطفال لم يعرفوا من الدنيا إلا سنوات قليلة. كيف يقسو قلب إنسان إلى حد أن ينظر إلى استغاثتهم بوصفها مناسبة لتأكيد تفوقه عليهم؟

ثم تأتي العبارة التي تحاول أن تنتزع من الإنسان آخر ما بقي من تعاطفه: «لا تتعاطف معهم، فهم لو قدروا عليك لفعلوا بك أكثر من هذا». أرفض هذا المنطق. كيف نحاكم إنسانًا على جريمة نتخيل أنه سيرتكبها؟ وكيف نجعل احتمالًا في أذهاننا مبررًا للشماتة بألم حقيقي يقع أمام أعيننا؟ من أين جاء هذا اليقين بأن الجريح الذي يتألم، أو الأم التي تبكي، أو الطفل الذي يستغيث، كان سيؤذينا لو امتلك القوة؟ نحن مسؤولون عن أفعالنا، ولا يعفينا من مسؤوليتها ما ننسبه إلى نيات الآخرين.

وتُردَّد عبارات أخرى تحمل المعنى نفسه: «هم لن يرحموك»، «لو كنت مكانهم لما حزنوا عليك»، «طيبتك معهم سذاجة»، «لا تنخدع بضعفهم الآن». كأن الرحمة صفقة لا نقدم عليها إلا بعد ضمان مقابلها، وكأن علينا أن نطلب من المنكوب شهادة تثبت أنه كان سيتعاطف معنا قبل أن نتألم له. أريد لأخلاقي أن تثبت في هذه اللحظات؛ أن أرفض الظلم وأعرف قسوته، وألا أجد لنفسي عذرًا في قسوة أتوقعها من غيري.

وما يوجعني أكثر أن يصل هذا الجفاء إلى أشخاص جمعتنا بهم سنوات العمر. أين تذهب المحبة والجيرة والعِشرة؟ كيف تُمحى زمالة الدراسة والعمل، ومقاعد تقاسمناها، وبيوت دخلناها، وأفراح حضرناها، وأحزان وقفنا فيها إلى جانب بعضنا؟ كيف يهون جار عرفناه منذ الطفولة، أو زميل درس معنا، أو صديق عمل إلى جانبنا، لمجرد اختلاف الدين؟

كان اختلافه موجودًا طوال تلك السنوات. كان موجودًا حين فتح لنا بابه، وحين اطمأن على مريضنا، وحين أعاننا في ضيق، وحين شاركنا خبزه ووقته وهمومه. فكيف يصبح فجأة سببًا لإنكار فضله، أو التخلي عنه في محنته، أو الشماتة بمصابه؟ ماذا حدث لكل ما عرفناه عنه بأنفسنا حتى تهزمه عبارة تحريض سمعناها من شخص لا يعرفه؟

أفكر في زميلة جلست إلى جوار زميلتها سنوات، وحفظت تفاصيل حياتها وقلقها على أبنائها، ثم تسمع من يقول لها عند مصابها: «لا تتعاطفي معها، إنها ليست من دينك». أي قسوة تطلب منها أن تنكر كل تلك المعرفة؟ وكيف يطالبها أحد بأن تخجل من وفائها، وأن تتعامل مع صديقتها وكأن سنوات القرب لم تكن؟

ما هذه القلوب التي تسودّ بالشماتة؟ أين الطيبة والرحمة؟ وما هذه الأخلاق التي لا تحنّ على موجوع، ولا تحزن لفقد، ولا تتعاطف مع أم تبكي طفلها؟ لا أستطيع أن أتقبل هذا التبلد، ولا هذا الشر واللؤم في التعامل مع ألم الناس. إن الشماتة بإنسان منكوب، والتلذذ بعجزه، ومحاولة منع الآخرين من مواساته، أمور تشعرني بالغثيان.

وأشد ما يؤلمني أن تُقال هذه العبارات بنبرة رضا عن النفس، كأن صاحبها أحسن التصرف حين أغلق قلبه. أي فضيلة في أن ترى من عرفتَ طيبته يتألم، ثم تبحث عن ذريعة كي تتخلى عنه؟ وأي وفاء يبقى إن كانت سنوات العِشرة كلها تسقط عند أول تحريض؟

اي دين هذا مالكم كيف تعقلون؟ الدين يهذب القلب و ينور الدرب و يصوب البصيرة و يحنن القلوب ويقرب الناس ويلم الشمل ويراعي الجمع ويحصن النفس من الفتن والقسوة و الظلم و الغدر والشر الدين هو الذي يجعل قلبك مثل قلب الطفل الأبيض الذي لم تلوثه الاثام بالأفعال او الأقوال او التفكير فمن أيد الشر شرير و من دعى للشر شرير و من فرح للشر شرير و من روج للشر شرير و من تعاطف مع الشرير شرير ضعيف و من ناصر الاشرار شرير متمكن و من صمت وادعى الحياد او الصمم والبكم شرير جبان رعديد

أريد لأبنائنا أن يحفظوا للناس مودتهم وحقوقهم وفضلهم، وأن يفهموا أن اختلاف الدين لا يمحو المحبة، ولا يبطل حق الجار، ولا يُسقط واجب الوفاء. ومن وقف إلى جانبنا يستحق أن نتذكر موقفه، ومن عاش معنا بأمان يستحق أن يجد عندنا الأمان. لن أقبل أن نربّي طفلًا على التنكر لمن أحبه، أو أن نعلّمه أن قسوة القلب دليل على صدق الإيمان.

ثم تتسلل أحكام التعميم: «هؤلاء لا أمان لهم»، «كلهم خونة»، «كلهم كاذبون»، «لا يوجد بينهم إنسان محترم»، «الغدر في دمهم»، «الشر في أصلهم»، «أبناؤهم مثلهم». كم من ظلم تختبئ خلفه كلمة «كلهم»! إنها تعفي قائلها من المعرفة والتثبت والعدل، وتمنحه حكمًا جاهزًا يوزعه على أشخاص لم يعرفهم.

وحين يقول أحدهم: «لا أريد أن أسمع عنهم شيئًا جيدًا»، أو «مهما فعلوا فلن يتغير رأيي»، يكون قد أغلق على نفسه باب المراجعة. لا يريد أن يعرف، لأنه يخشى أن تهدم المعرفة كراهية اعتادها، أو تُلزمه بالاعتراف بأنه ظلم أناسًا لا يعرفهم.

الجهل الذي يقلقني هو هذا الإصرار على عدم المعرفة، ثم التحدث بثقة عن الناس وأديانهم ونياتهم. يقول صاحبه: «أنا أعرفهم»، فإذا سألته عمّن عرفه منهم، أعاد حكاية سمعها. ويقول: «الجميع يعرف حقيقتهم»، كأن تكرار الاتهام يغني عن الدليل.

ومن العبارات التي تصادر السؤال: «لا تناقش»، «نفّذ ثم افهم»، «السؤال دليل ضعف الإيمان»، «العقل يضللك»، «أهل الطاعة لا يعترضون»، «من أنت حتى تفكر؟». أرى في إذلال الطفل لأنه سأل خسارة كبيرة؛ فنحن ندرّبه على الخوف من عقله، وعلى انتظار شخص آخر يفكر بالنيابة عنه. ومن يُمنَع من السؤال عن الفكرة قد يُمنَع لاحقًا من السؤال عن الضحية.

ويكتمل هذا الإغلاق بتقديس زعماء المنظمة المتطرفة: «زعماؤنا أعلم منك»، «لا يجوز نقدهم»، «اعتراضك يشق الصف»، «مصلحة المنظمة فوق كل اعتبار». هكذا يصير الخطأ الذي يرتكبه الفرد جريمة، والخطأ الذي يرتكبه زعماؤهم حكمة لا يفهمها الأتباع. وتصبح الطاعة اختبارًا مستمرًا للولاء، حتى عندما تصطدم بالضمير.

وتخدم هذا الانقياد عبارات العزل: «لا تسمع إلا لنا»، «لا تقرأ كتبهم»، «كل من خارج منظمتنا يضللك»، «أهلك يعطلون طريقك»، «معلمك يفسدك»، «اقطع علاقتك بأصدقائك المختلفين». ثم يأتي الاستدراج العاطفي: «نحن أهلك الحقيقيون»، «نحن وحدنا نفهمك»، «أنت أرفع من هذا المجتمع»، «لا تخبر أحدًا بتواصلنا».

هنا يُستغل احتياج الشاب إلى من يسمعه ويقدّره. يُمنح شعورًا بأنه مميز، ثم يُطلب منه ثمن ذلك: أن ينفصل عمن يحبونه، وأن يسلّم قراره لمن لا يسمحون له بمناقشتهم. والشخص الذي تُقطع صلاته بمن يثق بهم يفقد فرصًا مهمة لسماع رأي آخر ومراجعة ما يُطلَب منه.

وتُستخدم الخيانة سلاحًا لإسكات كل اعتراض: «إما معنا وإما ضدنا»، «من لم يؤيدنا فهو عدو»، «من دافع عنهم فهو منهم»، «من طالب بالعدل لهم خائن»، «المحايد شريك». لا تعترف هذه اللغة بإنسان يرفض الظلم ويرفض في الوقت نفسه قتل الأبرياء، أو بمواطن ينتمي إلى دينه ووطنه ويحترم المختلفين عنه.

إنها تحاصر الضمير باختيار زائف: إما أن توافق على كل ما تفعله المنظمة، وإما أن تُلحَق بأعدائها. وحين يقبل الإنسان هذا التقسيم، قد يجد نفسه يدافع عن فعل يرفضه، خوفًا من أن يُتّهم بالخيانة.

وأرفض خصوصًا الجملة التي تجعل التعاطف تهمة: «لماذا تدافع عنهم؟». قد ندافع عن إنسان لأن حقه سُلب، ونرفض الاعتداء عليه لأننا نعرف معنى الظلم. مطالبتنا بالعدل لا تحتاج إلى قرابة بالضحية، ولا إلى اتفاق معها في الدين أو الرأي أو طريقة الحياة.

وتتجاوز الكراهية حدود الكلام حين تُقال عبارات: «لا تؤجّر لهم»، «لا توظّف أحدًا منهم»، «لا تشترِ منهم بسبب أصلهم»، «لا تسمح لأطفالك باللعب مع أطفالهم»، «لا نريدهم في حيّنا»، «يجب إخراجهم جميعًا». تصبح الهوية سببًا لحرمان الإنسان من مسكن ورزق وصداقة وأمان، وينشأ الطفل وهو يرى الإقصاء ممارسة عادية.

أما العبارات التي تصف البشر بأنهم «حشرات» أو «نجاسة» أو «مرض»، وتتكلم عن «تطهير البلد منهم»، فهي شديدة الخطورة. إنها تخفي وجوه الناس خلف أوصاف مهينة. تختفي الأم التي تخاف على أبنائها، والعامل الذي يعود متعبًا إلى بيته، والطفل الذي يحمل حقيبته إلى المدرسة؛ ويحل مكانهم وصف يسهل معه تبرير الأذى.

ثم تأتي الجمل التي تسقط البراءة عن الجميع: «لا يوجد بينهم أبرياء»، «أطفالهم سيكبرون ليصبحوا أعداء»، «سكوتهم يجعلهم شركاء»، «وجودهم بينهم يكفي لإدانتهم»، «عائلاتهم تدفع الثمن». بهذه الجمل تُمحى الفروق بين مرتكب الجريمة ومن لم يرتكبها، وبين المقاتل والمدني، وبين البالغ والطفل. ويُستبدل إثبات المسؤولية بافتراض ذنب جماعي لا يستطيع أحد النجاة منه.

الطفل لا يرث ذنبًا من أسرته، والإنسان لا يُدان لمجرد أنه يعيش في مكان أو ينتمي إلى دين أو طائفة. ولا تتحول الجريمة إلى عدالة لأن مرتكبها وجد لها جمهورًا يصفق.

وفي أوقات الغضب نسمع: «هم قتلوا أبناءنا فلنقتل أبناءهم»، «دماؤنا تبيح دماءهم»، «ليذوقوا ما ذقناه»، «الرحمة بهم خيانة لضحايانا»، «لا يهم من يتأذى منهم». تستند هذه اللغة إلى ألم قد يكون عميقًا، لكنها توجهه نحو أشخاص لا مسؤولية لهم عما وقع.

الاعتراف بالألم واجب، ومحاسبة الجناة ضرورة. أما استخدام الضحايا لتبرير صناعة ضحايا جدد فيضاعف الظلم. ومن يستغل حزن شاب على قريب فقده، ليطلب منه إيذاء إنسان بريء، يسلبه حقه في الحزن والتعافي ويحمّله جريمة أخرى.

وتتكشف الدعوة إلى العنف في عبارات: «لا يفهمون إلا القوة»، «اضربه ليتربى»، «أرعبهم حتى يسكتوا»، «من يعارضنا يجب إسكاتُه»، «العنف هو الحل»، «الغاية تبرر الوسيلة». ويضاف إليها تمجيد القسوة: «الرحمة ضعف»، «التسامح جبن»، «من يبكي على الضحايا جبان»، «أثبت رجولتك»، «لا تتراجع».

كم نسيء إلى أبنائنا حين نجعل قسوة القلب امتحانًا للرجولة! أريد للولد أن يعرف أن حماية الضعيف شجاعة، وأن الاعتذار يحتاج إلى قوة، وأن التراجع عن جريمة يحاول الآخرون دفعه إليها قرار يستحق الاحترام.

ويستحق الاحتقار الموجّه إلى النساء وقفة واضحة أيضًا: «المرأة لا رأي لها»، «تعليمها يفسدها»، «حقوقها تمرد»، «مكانها أن تطيع»، «اضربها حتى تتعلم»، «هي التي جلبت الأذى لنفسها». هذه الجمل تضع الإهانة في موضع التربية، وتحمّل المعتدى عليها مسؤولية اعتداء غيرها. والطفل الذي يسمعها يتعلم كيف ينظر إلى أمه وأخته وزميلته، وما الذي يتصور أنه يحق له فعله بهن.

ونسمع كذلك لغة الوصاية على حياة الناس: «يجب تأديبه لأنه مختلف»، «أغلقوا المكان بالقوة»، «احرقوا الكتاب»، «حطّموا ما لا يعجبكم». يصبح صاحب هذا المنطق قاضيًا على الجميع، ويمنح نفسه حق العقوبة كلما صادف شيئًا يخالف ذوقه أو فهمه. يُراد للناس أن يعيشوا خائفين من رأيهم وملابسهم وأسئلتهم، وأن يستأذنوا المتسلط حتى في تفاصيل حياتهم.

وحين يريد المحرّض أن يستولي على شاب كاملًا، قد يقول له: «حياتك لا قيمة لها»، «مستقبلك وهم»، «دراستك مضيعة للوقت»، «أهلك سيعتادون غيابك»، «أثبت صدقك بالتضحية بنفسك»، «لا تفكر في العواقب». يؤلمني أن يُستغل بحث شاب عن قيمة ومكانة ليُدفَع إلى إلغاء مستقبله وخدمة مشروع يقوده آخرون.

وهناك عبارات تحمي هذا كله من النقد: «مجرد كلام»، «لا تكبّر الموضوع»، «هذه نكتة»، «قالها وهو غاضب». وقد نقولها كي ننهي نقاشًا محرجًا مع قريب أو صديق، فنترك الطفل وحيدًا أمام المعنى الذي سمعه. من حقه علينا أن نوضح لماذا كانت العبارة ظالمة، وأن نريه أن احترام الكبير لا يفرض الموافقة على إهانة الآخرين.

وتبدأ مسؤوليتنا التربوية من الإصغاء. حين يكرر طفل كلامًا قاسيًا سمعه، علينا أن نسأله عن معناه ومصدره: ماذا تقصد بقولك إنهم جميعًا أعداء؟ هل تعرف ما فعله كل واحد منهم؟ هل تقبل أن يحكم عليك أحد بسبب اسمك أو أسرتك؟ ومن منح هذا الشخص حق أن يأمرك بإيذاء الآخرين؟

إحراج الطفل وإهانته يغلقان الحوار الذي نحتاج إليه. أما منحه الأمان ليشرح ما سمع، ثم مناقشته بحجج واضحة وأمثلة قريبة من حياته، فيتيحان تصحيح الفكرة قبل أن تتصلب.

ومن موقعي ككاتبة للأطفال، أرى مسؤولية خاصة في القصص التي نقدمها لهم. أريد لطفلنا أن يتعرف إلى المختلف بوصفه إنسانًا له حياة ومشاعر، وأن يرى كيف يُصلَح الخطأ، وكيف تُحَل الخصومة، وكيف نحمي حق من لا يشبهنا. وأريد له بيتًا يستطيع أن يعود إليه بسؤال محرج، أو بفكرة سمعها وأربكته، فيجد من يناقشه باحترام.

ولا تكفي مطالبة الشباب بالتسامح إذا كانوا يرون الإذلال والتمييز حولهم بلا مساءلة. نحتاج إلى مدرسة تسمح بالسؤال، وأسرة تستمع، وخطاب ديني يصون حرمة الإنسان، وإعلام يفحص ما ينشره، وعدالة تحاسب المعتدي دون أن تُدين أهله أو أبناء دينه بجريرته. ونحتاج إلى تعليم أبنائنا كيف يتحققون من المقاطع والمنشورات، وكيف يميزون بين الخبر والتلاعب بالعاطفة، وبين الدفاع عن حق والتحريض على إنسان.

علينا أن نبدأ من أنفسنا. أن نراجع تعليقاتنا على الأخبار، وأحاديثنا عند الموت، وأوصافنا لمن نختلف معهم، وما نمرره في مجموعات العائلة. يسمعنا الأطفال ونحن نتحدث بعفوية، ويتعلمون من تلك اللحظات أكثر مما نتوقع.

حين أسمع طفلًا يقول عن زميله «لا ألعب معه لأنه منهم»، أعرف أن أمامنا عملًا لا يجوز تأجيله. أريد أن أسأله عمّا يعرفه عن زميله، وعن شعوره لو استُبعد بالطريقة نفسها، وأن أساعده على رؤية الطفل الذي أخفته عنه الكلمة.

الكلمات لا تتحول كلها إلى رصاص، لكن بعضها يجعل الرصاص مقبولًا في أذهان من يسمعونها. وحين نسمع جملة تسلب إنسانًا حقه في الحياة، أو تجعل الرحمة به تهمة، ينبغي أن نناقشها قبل أن تستقر وتصبح حكمًا لا يقبل المراجعة.

لن نحمي أبناءنا بتعليمهم أسماء من ينبغي أن يكرهوهم. نحميهم حين نعلّمهم أن يسألوا ويتثبتوا، وأن يرفضوا الإهانة، ويتمسكوا بالعدل حتى وهم غاضبون. وقد تبدأ حماية حياة إنسان بإعادة السؤال إلى عقل طُلب منه أن يصمت، وإبقاء الرحمة حيّة في قلب حاول أحدهم أن يعلّمه الكراهية.

و آخر قولي ان الحمد لله رب العالمين على نعمة الهاشميين اصحاب القلوب الطيبه و العقول النيرة والأخلاق الحسنة و ألأيادي النظيفه و الإنسانية التي لا تنتقي بل تعم الجميع.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :