حادثة الكرك .. نحو مشروع وطني شامل
د. مالك القصاص
27-10-2026 12:10 PM
شهد الأردن لأول مرة حادثة غير عادية "إرهابية"، طالت كل بيت أردني، استهدفت كنيسة في الكرك أسفرت عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى من أبناء الوطن. كما وشهدت عام 2016 هجوما مسلحا استهدف قلعة الكرك وأوقع ضحايا من رجال الأمن والمدنيين، قبل أن تنجح الأجهزة الأمنية في حسم المواجهة، في حادثة أكدت خطورة التحديات التي تمثلها الجماعات المتطرفة للأمن الوطني.
في ذات السياق، نجحت الأجهزة الأمنية الأردنية خلال السنوات الأخيرة في تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية وإحباط مخططات كانت تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، ما يؤكد جاهزية الدولة ويقظة مؤسساتها في مواجهة التهديدات الإرهابية والتطرف.
غير أن حماية الأردن وصون استقراره لا تقتصر على الجهد الأمني والعسكري فحسب، بل تمتد إلى مواجهة الخطابات والأفكار التي تغذي التطرف أو تسعى إلى النيل من الوحدة الوطنية. فالترويج لخطاب الكراهية أو التشكيك في مكونات النسيج الوطني لا يقل خطورة عن التهديدات الأمنية المباشرة، لما يتركه من آثار سلبية على التماسك المجتمعي والجبهة الداخلية.
وفي ظل المتغيرات والتحديات الإقليمية المتسارعة، يصعب النظر إلى هذه الحادثة باعتبارها حدثا معزولا أو مجرد مصادفة. فالمنطقة تشهد تحولات عميقة، في سياق إعادة تشكيل موازين القوى والخرائط السياسية والأمنية، ما يدفع بعض الأطراف إلى الاعتقاد بأن الساحة الأردنية قد تكون مدخلا للضغط أو الفوضى.
على الصعيد الأوروبي، اكدت معظم الدول الأوروبية وقوفها مع الأردن في هذه المحنة غير العادية. كما وأعلنت العديد من السفارات الأوروبية، مثل إيطاليا وفرنسا واسبانيا وغيرها، تنكيس الاعلام حدادا على شهداء الوطن.
على الصعيد الإيطالي، اكدت معظم الصحف الإيطالية، الرسمية والغير الرسمية، تضامنها مع الأردن. كما واعتبرت ان مثل هذه الهجمات نادرة للغاية في الأردن، وان الأردن من أكثر دول الشرق الأوسط استقرارا وأمنا، وهو ما ساهم في جعله وجهة مفضلة للعديد من السياح الأوروبيين، لا سيما لما يضمه من مواقع دينية وتاريخية. وبالإضافة الى ذلك، ذكرت ان الاردن يلعب دورا محوريا، خصوصا خلال السنوات الأخيرة، حيث يعتبر جسر دبلوماسي ووسيط وعامل استقرار في المنطقة، بما في ذلك في سياق الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط.
تحاورت مؤخرا مع الصديق الاب الدكتور خالد عكشة، كركي الأصل، والذي عمل في دائرة الحوار بين الأديان في الفاتيكان كأمين سر للجنة العلاقات الدينية مع المسلمين لمدة ثلاثين سنة، تناولنا خلاله أبعاد هذه الحادثة وانعكاساتها على المجتمع الأردني.
وأكد الأب عكشة أن رد الفعل الرسمي والشعبي على الاحداث أظهر متانة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين الأردنيين وزادها قوة. كما وشدد أن كل من راهن على إثارة الفرقة والانقسام بين الأردنيين قد أخفق في رهانه، إذ أثبت أبناء الوطن، بمختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية والحزبية، تماسكهم ووحدتهم في مواجهة كل محاولات بث الفتنة.
وفي الختام، نحن اليوم بحاجة ماسة الى استراتيجية وطنية واضحة وشاملة، عنوانها اجتثاث الفكر المتطرف والارهاب وتجفيف منابعهم، بالتوازي مع مواصلة الجهود الأمنية في مكافحة الإرهاب. فالتجارب أثبتت أن المواجهة الأمنية، على أهميتها، لم تعد كافية وحدها لاحتواء هذه الظاهرة، وأن المعركة الحقيقية تبدأ من ميدان الفكر والثقافة والوعي.
ومن هنا، بات من الضرورة، وخصوصا في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الأردن، الاستثمار في بناء وعي مجتمعي، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية في نشر قيم الاعتدال والانفتاح، وترسيخ التربية الوقائية التي تمكن من التمييز بين الفكر السليم والخطاب المتطرف. كما أن تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، وتحصينهم ضد خطابات الكراهية والإقصاء، وغرس قيم المواطنة وقبول الاختلاف والحوار الديمقراطي المسؤول، تمثل جميعها خطوط الدفاع الأولى في مواجهة التطرف واستئصال جذوره، بما يحفظ أمن الوطن وتماسكه واستقراره.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل جهود مكافحة التطرف عن مسار التحديث السياسي والإصلاح الإداري والتنمية الاقتصادية. فتعزيز المشاركة السياسية، والارتقاء بكفاءة المؤسسات العامة، وتوسيع الفرص الاقتصادية، والاستجابة لتطلعات المواطنين، تشكل جميعها عناصر أساسية في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. كما أن معالجة تحديات البطالة والفقر والتهميش وتحسين الظروف المعيشية تمثل جزءا لا يتجزأ من استراتيجية الوقاية، نظراً لما قد تتيحه هذه التحديات من بيئات قابلة للاستغلال من قبل الجماعات المتطرفة في عمليات التجنيد والتأثير الفكري.
رحم الله الشهداء وحمى الله الأردن ارضا وشعبا وقيادة.