facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الكرك نبدأ المراجعة: من يحمي وعي أبنائنا؟


فيصل تايه
27-10-2026 12:40 PM

ما شهدته كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك هو جرس إنذار يستدعي وقفة ضمير وطنية جادة ومسؤولة. وقفة لا تبحث عن خصم تُلقي على كاهله وزر الخطيئة، ولا تستبدل خطاباً متطرفاً بآخر، بل تتجه إلى فهم العوامل التي قد تسمح للأفكار المتطرفة بالتسلل إلى عقول بعض أبنائنا، والعمل على بناء وعي يحمي المجتمع ويصون تماسكه.

إن السؤال الذي تفرضه هذه الحادثة لا ينتقص من تاريخ مؤسساتنا، بل يدعونا إلى مراجعة مسؤولة تواكب تحولات العصر: كيف استطاعت المدرسة الأردنية، عبر مسيرة الدولة، أن تخرّج رجال دولة وعلماء ومفكرين أسهموا في بناء الوطن وتطوير فكره، فيما تجد أفكار متطرفة طريقها إلى بعض الشباب؟ ليس في هذا السؤال اتهام لمدارسنا أو مناهجنا، ولا تجاهل لما أنجزته أجيال من المعلمين والمربين، بل إقرار بأن مصادر التأثير في أبنائنا تغيرت، وأن أدوات التنشئة التقليدية لم تعد وحدها تصوغ وعيهم.

فقد أصبح الهاتف الذكي نافذة مفتوحة على عالم واسع من المعرفة، لكنه قد يكون أيضاً مدخلاً إلى محتوى مجهول المصدر وخطابات تحترف استغلال الأسئلة والحيرة والحاجة إلى الانتماء. وقد تقود هذه الخطابات، حين تغيب المعرفة الموثوقة والحوار المسؤول، إلى العزلة الفكرية والتعصب ورفض الآخر. ولا يجوز افتراض أن هذه العوامل تفسر الحادثة موضع الحديث قبل اتضاح نتائج التحقيق، لكنها تضع أمامنا تحدياً أوسع لا يصح تأجيل مواجهته.

إننا لا نحمي عقول أبنائنا بمنع الأسئلة، بل بتزويدهم بالمعرفة التي تمكّنهم من التمييز بين الحجة والتضليل، وبين الاختلاف والكراهية، وبين التدين والتعصب.

وتبدأ هذه الحماية من الأسرة، حيث ينبغي أن يجد الأبناء مساحة آمنة للحوار وطرح الأسئلة ومناقشة ما يواجهونه، بعيداً عن السخرية والتخويف والتوبيخ الذي يدفعهم إلى البحث عن إجاباتهم في مصادر لا نعرفها ولا نثق بها. فالثقة لا تعني غياب المتابعة، كما أن الرعاية لا تعني الرقابة التي تهدم جسور التواصل؛ بل تعني الإصغاء، والانتباه إلى التحولات المقلقة، وطلب المساندة المتخصصة عند الحاجة.

أما المدرسة والجامعة، فمسؤوليتهما تتجاوز نقل المعرفة إلى بناء القدرة على التفكير والتحقق والنقاش. ومن هنا تبرز الحاجة إلى برامج عملية تعزز الثقافة الرقمية، وتعلّم الطلبة التحقق من مصادر المعلومات، وكشف أساليب التضليل والاستقطاب، ومواجهة الأفكار بالحجة لا بالانفعال. كما يتطلب ذلك تأهيل المعلمين والمرشدين للتعامل مع الأسئلة الحساسة وفتح الحوار حولها، بدل تركها تتراكم أو التعامل معها بوصفها موضعًا للعقاب والاشتباه.

وفي هذا السياق، أتوجه إلى العلماء ورجال الدين، ووزارة الأوقاف ودائرة قاضي القضاه ، ودائرة الإفتاء العام، وكليات الشريعة وأساتذة الجامعات، وأصحاب الفكر علماء الشريعه بضرورة تعزيز حضورهم في هذه المرحلة، وتوسيع أثرهم في تحصين الشباب فكرياً ودينياً.

نحن اليوم بحاجة إلى تأهيل أئمة المساجد، ولا سيما خطباء الجمعة، وتطوير مهاراتهم في مخاطبة الشباب والإجابة عن أسئلتهم بالحجة والعلم، وتفعيل دور المنابر والدروس الدينية في ترسيخ قيم الرحمة والعدل وحرمة الدماء وكرامة الإنسان.

كما تبرز أهمية وصول العلماء والدعاة المؤهلين إلى الطلبة في المدارس والجامعات، وإلى الجمهور عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حتى لا يُترك المجال لخطابات تفتقر إلى العلم والمسؤولية. ويتطلب ذلك تعاوناً منتظماً بين المؤسسات الدينية والتربوية، وتقييماً علمياً لمضامين البرامج وأساليب تقديمها، بما يعزز الاعتدال ويطوّر أدوات الخطاب من دون أحكام مسبقة أو اتهامات عامة.

ولا تكتمل هذه الجهود من دون دور فاعل للدولة في تنسيق المسؤوليات ووضع الأولويات وتقييم النتائج. فالمطلوب ليس تكثيف الندوات والحملات الموسمية فحسب، بل بناء رؤية وطنية واضحة تحدد ما تقوم به كل مؤسسة، وكيف يُقاس أثر عملها. كما تقع على الإعلام مسؤولية تقديم المعرفة الدقيقة، ومقاومة الشائعات، وتجنب الإثارة والتعميم، فيما ينبغي للخطاب الرسمي أن يوضح ما تسمح به نتائج التحقيق، ويؤكد أن القانون سيأخذ مجراه.

إن مساندة مؤسسات الدولة لا تعني إعفاءها من المراجعة، كما أن الدعوة إلى التطوير لا تعني التشكيك في منجزاتها. فالمراجعة الجادة ليست إدانة للماضي، بل وسيلة لتصحيح القصور وتطوير الأداء والاستعداد للمستقبل. وتزداد قيمة هذه المراجعة حين تتحول توصياتها إلى برامج محددة، ومسؤوليات معلنة، ونتائج تخضع للمتابعة والتقييم.

اننا وفي ظل ما يحيط بالأردن من تحديات إقليمية، تزداد أهمية صون الجبهة الداخلية وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع. فمواجهة التطرف لا تكون بإنتاج تطرف مضاد، ولا بتوسيع دائرة الشك والاتهام، بل بتطبيق القانون على أساس الأدلة والمسؤولية الفردية، وحماية كرامة الإنسان، ورفض تعميم التهمة على جماعة أو مؤسسة أو فئة.

من الكرك يجب أن تبدأ مراجعة وطنية جادة؛ لا مراجعة للاتهام بل للمسؤولية، ولا لإدانة الماضي بل لحماية المستقبل. مراجعة تجعل حماية الوعي عملاً مستمراً، وتربط التوعية بالتعليم والحوار والمساءلة، وتمنح الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام أدواراً واضحة ومتكاملة.

فالمعركة الحقيقية ليست بين فريق وآخر، ولا بين مؤسسة وأخرى؛ بل هي معركة المجتمع كله من أجل عقل قادر على التمييز، وإنسان مصون الكرامة، ووطن يتسع لجميع أبنائه.

ومن الكرك ينبغي ألا نكتفي بإدانة ما حدث، بل أن نبدأ عملاً جاداً يحوّل الألم إلى مراجعة، والمراجعة إلى إصلاح، والإصلاح إلى حماية حقيقية للمستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :