بين شرف الجيوش وعار التمترس: تفكيك تجارة الدم والمظلومية الزائفة
الدكتور عزمي حجرات
27-10-2026 11:56 AM
في كل مرة تنهض فيها الدولة لممارسة واجبها الدستوري والأخلاقي في حماية حدودها والذود عن دماء مواطنيها، تعلو أصوات تحاول خلط الأوراق وتشويه الحقائق عبر استدعاء مقارنات بائسة ومظلوميات مصطنعة. وما أعقب العمليات الأخيرة لسلاح الجو الملكي الأردني ضد أوكار الإرهاب وشبكات التهريب في الجنوب السوري، على إثر فاجعة الكرك الآثمة، كشف بوضوح عن نمط مأزوم في التعاطي مع قضايا الأمن القومي؛ نمط يسعى عن عمد أو جهل إلى مساواة الفعل الإجرامي الغادر بالفعل السيادي الدفاعي، متجاهلاً الفوارق الجوهرية بين منطق الدولة المسؤولة وعقلية العصابات المارقة.
إن المقارنة بين الجيوش النظامية والميليشيات الإرهابية ليست مجرد تفصيل عسكري، بل هي خط فاصل بين منظومتين قيميتين متناقضتين تماماً. فالجيوش المحترفة، وفي مقدمتها الجيش العربي، تستند في عقيدتها إلى شرف العسكرية وقواعد الاشتباك الصارمة المستمدة من ديننا الحنيف ومن القانون الدولي الإنساني. هذه الجيوش تجعل من معسكراتها وميادين مواجهتها درعاً يحمي مدنها، فيخرج الجندي إلى الصحاري والحدود ليتلقى الرصاص في صدره، مبعداً نيران الحرب عن الآمنين في منازلهم. أما الميليشيات والتنظيمات المتطرفة وعصابات التهريب، فإن ديدنها الجبن الأصيل؛ إذ تعجز عن خوض مواجهة مكشوفة، فتلجأ عمداً إلى التسلل بين الأحياء السكنية المكتظة، وتدس المتفجرات وغرف التخطيط بين غرف نوم الأطفال وأسرّة العائلات، محولة الأبرياء إلى متاريس حية لحماية مشاريعها المظلمة.
هنا تحديداً تسقط حجة التباكي على سقوط ضحايا مدنيين في محيط الضربات؛ إذ تقرر القواعد الفقهية والقانونية المستقرة أن التبعة والوزر يقعان بالكامل على المتسبب الأول الذي ألجأ إلى هذا الواقع وحوّل حيزاً مدنياً إلى هدف عسكري مشروع. إن الإرهابي أو تاجر السموم الذي يطلق خيوط مؤامراته لتفجير بيوت العبادة وترويع الآمنين في الكرك أو إغراق المجتمع بالحبوب المخدرة والسلاح، هو من حكم على محيطه بالهلاك يوم قرر الاحتماء بستر النساء والأطفال؛ بل إن المجتمع المحلي المحيط به يشترك معه في تحمل وزر هذه المسؤولية الأخلاقية والواقعية متى رضي بوجوده بين ظهرانيه، أو تواطأ بالصمت وغض الطرف عن أوكاره، أو تهاون في التصدي له ولفظه من بين أحيائه السكنية. وحين تتحرك الدولة لدك هذه الأوكار، فهي لا تستهدف أبرياء ولا تسعى لانتقام، بل تمارس حقاً واجباً في إجهاض تهديد محقق ومستمر، حمايةً لملايين المواطنين من مجازر قادمة لا يبالي بها ذلك الجبان المتحصن بالدروع البشرية.
ويزداد هذا العبث قتامة حين يحاول بعض المرجفين إسقاط ذات المنطق التبريري الذي يلجأ إليه الكيان الصهيوني على الدولة الأردنية، وهي مقارنة تبلغ ذروة التضليل والافتراء. فالكيان الصهيوني مشروع استعماري يقوم بنيوياً على سياسات التهجير والتطهير العرقي واختلاق الذرائع لشن حروب إبادة شاملة ضد أرض وشعب تحت الاحتلال، في حين يقف الأردن على أرضية سيادية ودفاعية صلبة وواضحة المعالم. إن الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة الرابضة خلف الحدود معروفة بالاسم والمكان للأجهزة الأردنية منذ سنوات، ولم تكن يوماً هدفاً لتدخل أو اعتداء طالما التزمت حدودها ولم تمس السيادة الأردنية، لكنها حين تجاوزت الخطوط الحمر وحولت ملاذاتها إلى منصات انطلاق لسفك دماء الأردنيين وضرب استقرارهم، كان لزاماً على الدولة أن تضرب بيد من حديد دفاعاً عن بقائها وأمنها الوطني.
إن تفكيك هذه الظاهرة يقودنا حتماً إلى معاينة التركيبة النفسية والنفعية لهؤلاء الفاعلين، سواء ارتدوا عباءة الدين زوراً، أو قادوا عصابات الجريمة العابرة للحدود. فالمحرك الأساسي لقيادات هذه التنظيمات ليس قضية عادلة ولا ديناً قويماً، بل هو السعي وراء مصالح شخصية ضيقة، ونفوذ مالي وسياسي ملوث تديره شبكات استخباراتية ومافيات إقليمية. وتكمن المأساة الحقيقية في أولئك الأتباع المعميين الذين تم تجريف وعيهم واستدراجهم بحماسة زائفة وشعارات براقة؛ فيتحول التابع إلى وقود رخيص يُدفع به نحو الهاوية ليموت منتحراً أو مطارداً، بينما يجلس سماسرة الموت في أمان ينتظرون أرباح الخراب.
إن استهداف دور العبادة وقتل المصلين لا يمكن أن يتساوى مع ضرب أوكار الغدر والإجرام، والمجرم الحقيقي في ميزان العقل والشرع ليس من دافع عن وطنه وردع العدوان، بل هو من غدر بالآمنين أولاً، ورضي أن يضحي بأهله وأطفاله متراساً لخيانته. سيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وبسالة جيشه وأجهزته الأمنية، عصياً على الابتزاز وعصياً على الفوضى، يمارس حقه في الحياة الكريمة والآمنة، ولن يثنيه عن حماية ترابه نعيق من باعوا ضمائرهم أو عميت أبصارهم عن التمييز بين حماة الوطن وصناع الردى.