غيوم الشر السوداء التي جثمت فوق سماء كنيسة القديس جورجيوس للروم الأورثوكس بقرية حمود في مدينة الكرك وامطرت رصاصها الغادر على أهلنا في الكنيسة وباحاتها كانت خنجراً في الظهر وغصة في الحلق وندبة في الجبين ووخزة في ضمير كل اردني، وعدنا من جديد نندد ونستنكر ونتضامن كما حصل عند سقوط الشهداء في مواقع الشرف الأخرى :- كحادثة قلعة الكرك ، وحادثة خلية اربد ، وحادثة تفجير فنادق عمان ، وما دامت ثقافة التطرف والإقصاء الديني وعدم قبول الاخر موجودة ولو بنسبة بسيطة فلن يهدأ لنا بال ولن يستقر لنا قرار وستعاد الكرة المرة تلو الأخرى .
بعد خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة وقوله "نحن نحمي المسيحيين والمسلمين" لا نستبعد دور اليد الأجنبية في ما حصل ، وذلك إثر شيوع حروب الجيل الخامس التي استبدلت احتلال الأرض باحتلال العقول ، ويتكفل مخرج غسل هذه العقول بالباقي من خلال إيجاد جماعات متطرفة وعصابات منظمة وبهذا الخصوص يقول الباحث العسكري ماكس مايورانج " الحروب القادمة هي حروب القدرات العقلية أو الذكية ، ويضرب مثلاً أن اسقاط حائط برلين لم يكن بفعل قذائف الدبابات ، كما يقول " ما نحتاجه هو مجموعه شريرة تمتاز بالتعصب يحملون ايدولوجيات تنضح بالقسوة والكراهية ، ولا تعترف بمفهوم الدولة ، وعندها نستطيع ان نخلق دولة فاشلة " ، ومعاذ الله ان تكون الأردن دولة فاشلة لا تفرض الأمن والأمان لكل أبنائها.
ومع كل ذلك ووجود هذا الاحتمال الا اننا يجب ان نتصارح ونتصالح مع انفسنا ، ونعترف ان لدينا بيئة حاضنة للتطرف وان من السهل الدخول اليها واقتيادها لفعل الشر ، وان ثقافة التسامح وقبول الآخر هي في أدنى درجاتها وان الحكومات الأردنية التي بذلت جهودا غير كافية لوضع حد لهذه الثقافة التي تشيع بسبب مجاملتها و سياسة غض الطرف خوفاً من ردود فعل هذه الجماعات الحاضنة للتطرف قد اوصلتنا الى ما نحن عليه هذه الأيام ، فقد تمت المناداة من الكثيرين وبعد ان ظهرت الجماعات الإسلامية مثل : داعش ، والنصرة ، وجيش محمد ، وجيش أبو القعاع ، وبعد ما شهدنا بأم أعيننا ما حدث في العراق وسوريا وراينا خطباء وزعماء وخلفاء يعيشون خارج العصر ويشرعون بقتل الأخر وسلبه ونهبه وفوق ذلك يرخصون سوق النخاسة.
كان من المفروض علينا ومن باب الاستشراف وفي ضوء الاعداد التي تطوعت في داعش ان نبدأ سياسة مكافحة الإرهاب والتطرف وانا اقصد "التطرف الديني " الذي يشوه الدين نفسه ويحوله من دين للسلام الى دين يدعو الى القتل ، وهذا ما لا نقبله لا للدين ولا لأهله.
محاربة الإرهاب والتطرف تستدعي تشريعات قانونية ، وإجراءات امنية ، ومتابعه سيبرانية لكل الحاضنات الموبوءة بالتراث الذي جذره وحفظه أعداء هذه الأمه لوصمها بانها أمة شريرة ذات فكر تكفيري لا يقبل الأخر ويعتزل الحوار ، وهو مورفين التخدير المتوفر دائما لإشعال الفتن وشيوع الفوضى .
بقي ان نقول ان بشاعة حادث الكنيسة والعدد الكبير من الشهداء والمصابين يستدعيان الوقوف امام منعطف هام ، وذلك يتطلب وضع اجندة وطنية لمكافحه التطرف ، والإرهاب ، والفكر التكفيري بكل شجاعة ودون تردد ، ولن نقوم هنا بدور رسم السياسة فإن هناك كثيرا من المتخصصين من هيئات وافراد وقادرين على وضع النقاط على الحروف في فصول هذه الحملة ، ولكن علينا ان نطرح الاسئلة التالية :-
1. الى أي مدى نعيش في ثقافة التطرف والتكفير والإرهاب ؟
2. من اين تأتي هذه الثقافة وماهي المؤسسات والقوى التي تعمل على نشرها ، واين دور المدارس والجامعات في التوعية ؟ وما مدى الرقابة على القناعات الشخصية للمعلمين والموجهين ؟
3. لماذا تحوز المكتبات والاكشاك على كثير من الكتب الصفراء الداعية للعنف والتطرف والعيش في عالم الغيبيات ؟
4. لماذا يخرج علينا الخطباء والوعاظ ويقومون بالتفسيرات الظلامية على غير ما ينبغي تفسيره ؟
5. لماذا يجري التساهل امام عبارات التحريض والتطرف الديني على وسائل التواصل الاجتماعي؟
6. لماذا لا تقوم لجنة من كبار العلماء والفقهاء المسلمين بالبت في موضوع التكفير وتفسير الآية الكريمة (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ؟
7. هل جاء في النصوص التاريخية حديث للنبي ﷺ يقول فيه عن مقدسات المسيحين العرب في الجزيزة " علي أن أحمي جانبهم، وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ومواضع الرهبان... ولا يُهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم، ولا يُدخل شيء من بناء كنائسهم في بناء المساجد ولا في منازل المسلمين" ، ام ان ذلك مجرد تجميل ؟ وحتى لو كان ذلك لماذا لا نتمسك بمثله وبكل آية او حديث يدعو للسلام والوئام بين افراد المجتمع الواحد ، ونبذ كل ما يدعو للفرقة والانقسام على أساس انه دخيل على تراثنا ومخالف لدستورنا وللقانون الذي يجب ان يحترم الجميع ويحمي الجميع.
8. منهجية محاربة التطرف تستدعي الوقوف عند الكثير من المظاهر المستغربة والهجينة التي لم يرد بها لا نص ولا تشريع ، فلا يمكن تشريع قيادة سيارة من قبل امراة منقبة في أكثر الشوارع ازدحاماً ، ولا يمكن ركن السيارات لتسد كراجات البيوت بحجة الذهاب للصلاة ، ولا يمكن ان نجد يافطة بلاستيكية ملصقة على المصاعد التي نعجز عن صناعتها وتتضمن الأية الكريمة : (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ).
موضوع التطرف والإرهاب موضوع شائك ومتداخل وواسع ولا يكفيه بضع صفحات للحديث عنه ، ولعل هذه الفاجعة الوطنية تقرع الجرس للوقوف بشجاعة قبل كل شي لمراجعة جذور التطرف الديني الذي أقض مضاجع العالم ونحن منهم .
رحم الله شهداء كنيسة حمود الكرك ونتمنى الشفاء للجرحى وتحية لشجاعة جلاله الملك الذي نعول عليه للخروج من الأزمات وبلسمة الجراح.