facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الديموغرافيا في إسرائيل .. الفلسطينيون يغيّرون معادلة الكنيست


أ.د. مصطفى محمد عيروط
28-10-2026 10:07 AM

لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من تشرين الأول عام 2026 مجرد انتخابات عادية للتنافس على مقاعد الكنيست أو تشكيل حكومة جديدة، بل كشفت عن زلزال سياسي وديموغرافي واجتماعي عميق، قد يؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخ إسرائيل، بعد سنوات من الحروب والقتل والدمار والأزمات الاقتصادية والانقسامات الداخلية والتطرف السياسي والديني.

فالرسالة الأبرز لهذه الانتخابات أن الديموغرافيا أصبحت قوة سياسية، وأن الصوت الانتخابي الفلسطيني في الداخل لم يعد رقماً هامشياً، بل قد يتحول إلى قوة مؤثرة في تحديد مستقبل الحكم في إسرائيل.

لقد أظهرت استطلاعات الخروج من صناديق الاقتراع تقدماً غير مسبوق للأحزاب العربية، مع توقع حصولها على نحو 17 إلى 19 مقعداً في الكنيست المكوّن من 120 مقعداً، وسط تقديرات بمشاركة انتخابية عربية بلغت نحو 80%، وهي نسبة تاريخية إذا تأكدت في النتائج النهائية. كما بلغت المشاركة العامة 77.7%، وهي الأعلى منذ عام 1999.

وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات انتخابية، بل تعبير عن تحولات عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي، وعن إدراك متزايد لدى الفلسطينيين في الداخل بأن المشاركة السياسية الواسعة يمكن أن تتحول إلى أداة لمواجهة التهميش والعنصرية والجريمة المنظمة، والدفاع عن الحقوق المدنية والقومية والاقتصادية.

إن الفلسطينيين في الداخل، الذين يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، أي أكثر من مليوني نسمة، أثبتوا أن البقاء على الأرض والمحافظة على الهوية والمشاركة السياسية يمكن أن تشكل مجتمعة قوة يصعب تجاوزها في الحسابات الانتخابية.

فالفلسطيني الذي حاولت سياسات التهميش إضعاف صوته، أصبح اليوم رقماً قد لا يستطيع أي طرف سياسي تجاهله عند حساب الأغلبية البرلمانية.

وفي الجانب الآخر، تكشف الانتخابات عن تحولات داخل المجتمع اليهودي نفسه، فهو ليس كتلة اجتماعية أو ثقافية واحدة، بل يتكون من مجموعات متعددة الأصول والخلفيات، أبرزها اليهود الأشكناز ذوو الأصول الأوروبية، واليهود المزراحيون والسفارديم الذين تعود أصول قطاعات واسعة منهم إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافة إلى الأجيال ذات الأصول المختلطة.

وتشير التقديرات الديموغرافية، باختلاف طرق تصنيف الأصول، إلى وزن كبير لليهود الشرقيين داخل المجتمع الإسرائيلي، مقابل حضور واسع للأشكناز، مع تزايد الاختلاط بين المجموعات عبر الأجيال.

وهنا تبرز شخصية الجنرال السابق غادي آيزنكوت، المولود في طبريا والمنحدر من أسرة ذات أصول مغربية، والذي فقد ابنه في الحرب على غزة، بوصفه منافساً سياسياً جدياً لبنيامين نتنياهو.

وصعود آيزنكوت لا يعني أن إسرائيل أصبحت أمام تحول تلقائي نحو السلام أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، فهو ابن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وله تاريخه ومواقفه التي ينبغي تقييمها سياسياً. لكنه يعكس حالة البحث داخل قطاعات من المجتمع الإسرائيلي عن قيادة بديلة بعد سنوات من الحرب والاستقطاب والأزمات.

وقد أظهرت النتائج الأولية واستطلاعات الخروج تقارباً بين معسكري نتنياهو وآيزنكوت، دون حصول أي منهما على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي 61 مقعداً. ولذلك فإن الحديث عن انتهاء نتنياهو سياسياً أو تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة يبقى سابقاً لأوانه إلى حين اكتمال النتائج والمشاورات البرلمانية.

لكن المؤكد أن صورة نتنياهو بوصفه الزعيم القادر على احتكار المشهد السياسي الإسرائيلي قد تعرضت لاهتزاز كبير.

فالحروب الطويلة لا تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، وإنما بما تتركه من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية على المجتمعات.

وقد أثقلت الحروب المجتمع الإسرائيلي بتكاليفها البشرية والاقتصادية، وعمّقت الخلافات بشأن القيادة والمستقبل، في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون في الداخل من التمييز وضعف الخدمات وانتشار الجريمة والعنف، وما يرافق ذلك من شعور متزايد بضرورة التنظيم والمشاركة والتأثير.

ومن هنا فإن ارتفاع المشاركة العربية يحمل رسالة واضحة: لم يعد مقبولاً أن يكون الفلسطينيون في الداخل مجرد سكان يُحصون في الإحصاءات، دون أن يكون لهم وزن في القرارات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.

والمفارقة السياسية الكبرى أن الأحزاب الإسرائيلية التي تتنافس على الحكم قد تجد نفسها أمام معادلة حسابية تجعل أصوات النواب العرب مؤثرة في إمكان تشكيل الحكومة أو منع تشكيلها، رغم رفض قوى إسرائيلية عديدة إشراك الأحزاب العربية في الائتلافات الحاكمة.

وهنا يبرز السؤال التاريخي:

هل تستطيع إسرائيل الاستمرار في تجاهل نحو خُمس سكانها، بينما قد تصبح أصوات ممثليهم عاملاً حاسماً في مستقبل حكوماتها؟

إن الديمقراطية لا تُقاس بصناديق الاقتراع وحدها، وإنما بالمساواة الفعلية أمام القانون، وحماية الحقوق، ورفض التمييز العنصري، وصون كرامة الإنسان، واحترام حقوق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

ولذلك فإن التحولات الانتخابية، مهما بلغت أهميتها، لا تعني بالضرورة تحولاً في السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، ما لم تقترن بتغيير حقيقي في المواقف من الاحتلال والاستيطان والحرب والحقوق الوطنية الفلسطينية.

والأهم أن هذه الانتخابات في اسرائيل ، تظهر بوضوح أن الديموغرافيا عندما تقترن بالوعي والتنظيم والمشاركة تصبح قوة قادرة على تغيير التوازنات السياسية، وأن التهميش لا يستطيع إلغاء الشعوب أو محو هوياتها.

لقد أثبت الفلسطينيون في الداخل أنهم ليسوا مجرد أقلية انتخابية، بل مجتمع متجذر في أرضه، يمتلك القدرة على تحويل حضوره السكاني إلى حضور سياسي مؤثر.

أما نتنياهو، فإن مستقبله لم يعد مرهوناً فقط بخطاب القوة والحرب، بل بأصوات الناخبين وبالتحولات التي أحدثتها سياساته داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

فالانتخابات قد لا تنهي نتنياهو فوراً، لكنها كشفت أن استمرار حكمه لم يعد أمراً مضموناً، وأن الحسابات القديمة لم تعد كافية لفهم إسرائيل الجديدة.

وفي النهاية، فإن الدرس الأعمق من هذه الانتخابات أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار، وأن الحروب مهما طالت لا تلغي حق الشعوب في الحياة والحرية والكرامة.

لقد تحدثت صناديق الاقتراع بلغة الأرقام، لكن الديموغرافيا تحدثت بلغة التاريخ.

والفلسطينيون في الداخل أثبتوا أن من يبقى على أرضه، ويحافظ على هويته، وينظم صفوفه، ويستخدم صوته، يستطيع أن ينتقل من موقع التهميش إلى موقع التأثير.

إنه زلزال الديموغرافيا الذي قد يغيّر حسابات الحكم في إسرائيل، ويؤكد أن الشعب الفلسطيني حي وأن إرادة البقاء لهم وعلى أرضهم أقوى من سياسات الإقصاء والتهميش.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :