facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مَن ينهض من مقعده؟


د. محمد أبو رمان
28-10-2026 12:45 PM

لم يكن التناقض بين القيم التي تعلنها الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية خافياً على أحد، لكنّ حرب الإبادة في غزة جعلت الدفاع عن صدقيتها الأخلاقية مهمة تكاد تكون مستحيلة، كيف يمكن الحديث عن حقوق الإنسان، ثم توفير الحماية السياسية لإسرائيل وتعطيل محاولات وقف الحرب؟ أيّ معنى يبقى لهذه الحقوق إذا كان الفلسطيني خارجها؟ المشكلة لم تعد في صورة أميركا وحدها، بل في الضرر الذي ألحقته بالقيم التي تزعم الدفاع عنها.

مع ولاية ترامب الثانية، اتسع الشرخ، فالاستهانة بالقواعد باتت أكثر وضوحاً في الداخل أيضاً، الرئيس يضيق بخصومه، ويتعامل مع الاعتراض كأنه إساءة شخصية، ومع المؤسسات كأنّ مهمتها تنفيذ رغباته، حتى الحلفاء بات عليهم أن يتحملوا الإهانة ويثبتوا ولاءهم، كأنّ الفوز بالانتخابات يمنح صاحبه حق التصرف بالدولة أربع سنوات، بلا قيود، وبلا حاجة إلى الاستماع لأحد.

ليس ذلك بعيداً عن تقاربه مع اليمين الأوروبي المتطرف، أو عن استثمار الخوف من المسلمين والمهاجرين في تعبئة الناخبين، بما يتقاطع مع نزعات قومية مسيحية لدى قطاعات من قاعدته الإنجيلية البيضاء، هجماته الأخيرة على المسلمين والصوماليين الأميركيين تذكّرنا بسهولة تحويل مواطنين إلى متهمين بسبب هويتهم، فيما تُستخدم مكافحة معاداة السامية لتضييق مساحة التضامن مع الفلسطينيين، وتصبح حرية التعبير مقبولة ما دامت لا تزعج السلطة.

هذا التآكل في صدقية أميركا خارجياً، والاستهانة بقواعد الحكم في الداخل، يجدان تعبيراً صادماً في المشهد الختامي للموسم الرابع من مسلسل «الدبلوماسية»، مشهد يصعب ألّا نقرأ فيه دعوة مبطّنة إلى المسؤولين والدبلوماسيين والسياسيين للاعتراض على إدارة ترامب، بعدما تجاوز العبث بالقواعد حدود السياسة الخارجية إلى أسس النظام الديمقراطي نفسه، فالاحتجاج هنا يأخذ صورة غير مألوفة، في قمة مجموعة السبع، تهدد الرئيسة الأميركية غريس بن باستخدام القوة ضد من يعترض مهمتها، بمن فيهم الحلفاء، فتنهض السفيرة في لندن، كيت وايلر، وتعلن استقالتها أمام الجميع، تتبعها كبيرة موظفي البيت الأبيض ووزير الخارجية، ثم يخرج نائب الرئيس ويلتحق بهم، وتنتهي الحلقة قبل أن نسمع ما سيقوله للصحافة.

المشهد مهم لأنّ هؤلاء لم يصلوا إليه فجأة، حاولوا إقناع الرئيسة، واحتملوا قراراتها، وقالوا لأنفسهم إنّ بقاءهم يساعد في منع الأسوأ، لكنها مضت أبعد، وعاقبت دبلوماسياً اعترض عبر القنوات المؤسسية، عندها لم يعد السؤال كيف يقنعونها، بل ماذا يفعلون بأنفسهم وهم يواصلون خدمتها؟ كم مرة يستطيع المرء أن يبرر ما يرفضه، قبل أن يصبح التبرير وظيفته الفعلية؟

الربط بترامب ليس إسقاطاً اعتباطياً، كاتبة المسلسل ديبورا كان قالت، في مقابلتها مع «ذا راب»، إنّ تجاهل الأسئلة التي تشغل العاملين في الحكومة بات عبثياً، ومن بينها سؤال البقاء لتقليل الأضرار أو المغادرة رفضاً لما يحدث، حتى محاولة اغتيال الرئيسة تفتح باب المقارنة، من دون أن يحسم العمل إن كانت سبب اندفاعها، أم أنّ السلطة أظهرت ما كان كامناً فيها.

على الجهة المقابلة يترك لدينا المشهد سؤالاً آخر، لماذا يبلغ الاعتراض ذروته حين تطال التهديدات الحلفاء؟ ماذا عن الشعوب التي تحملت نتائج السياسات الأميركية طويلاً؟ هذا سؤالنا نحن، لا جواب المسلسل، فلا تكفي صحوة تنقذ سمعة واشنطن وتترك الفلسطيني خارج حساباتها، استعادة صدقية القيم تبدأ حين يصبح الاعتداء على حقوقه مدعاة للاعتراض، لا حين يصل الخطر إلى الأصدقاء وحدهم.

لهذا أقرأ النهاية دعوة إلى الاعتراض، أكثر مما أراها نبوءة باستقالات قادمة، قد ننتظر طويلاً قبل أن نشاهد مثلها في الواقع، لكنّها تضع كل مسؤول أمام سؤال لا يستطيع الهرب منه إلى الأبد، هل ما زال وجودي يمنع الضرر، أم صار يسهّل وقوعه؟ الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تفقدان قيمتهما لأنّ واشنطن خانتهما، لكنّ الدفاع عنهما يحتاج إلى أشخاص يدفعون ثمن موقفهم، لا إلى خطبة أخرى، مَن ينهض من مقعده؟.

أمّا في العالم العربي، فالمشهد مقلوب، في أميركا، يخرج الرئيس على قواعد الحكم وأعرافه، فيأتي مسلسل ليطرح، ضمناً، سؤالاً عن مسؤولية المحيطين به، مَن ينهض من مقعده ويستقيل؟ في بلداننا العربية، هل وصلنا أصلاً إلى طرح السؤال؟ بعد كل هذا الخراب في بعض البلدان التي قادها حكّامها إلى الهاوية، لذلك ربما يكون سؤالنا الأجدر، كيف ما زال هؤلاء في مقاعدهم؟

الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :