facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




في مواسم الفتنة الخصبة .. يغدو ضبط النفس وطنيةً لا وهنًا


بلال محمد الغرايبة
28-10-2026 02:18 PM

ليست أخطر اللحظات في حياة الأوطان تلك التي يُراق فيها الدم فحسب، بل تلك التي يُستباح فيها العقل بعد الدم، وتتحول فيها الفاجعة إلى مادة للتنازع، والخوف إلى أداة للتحريض، والاختلاف إلى ذريعة لتفكيك ما بُني من وحدةٍ وطنية عبر عقود طويلة.

فالاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة حمود في الكرك لم يكن جريمة بحق ضحاياه فحسب، بل اعتداءً على قيم الدولة ذاتها؛ على حق الإنسان في الحياة والأمان والعبادة، وعلى فكرة المواطنة التي تجعل من القانون مظلةً واحدة للجميع.

وكما يقول توماس هوبز في كتابه اللفياثان: "غاية الدولة الأولى هي صون الأمن ومنع انزلاق الناس إلى الفوضى"، وهي الغاية التي يصبح الدفاع عنها واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا في مواجهة كل فكرٍ يستبيح الدماء أو يبرر الكراهية.

لا تكمن خطورة الإرهاب في الجريمة ذاتها بقدر ما تكمن في ما يسعى إلى زرعه بعدها من شكوك وانقسامات وتقويض للثقة بالمؤسسات وتحويل الألم المشروع إلى غضب منفلت.

فالتنظيمات المتطرفة تراهن على استكمال بالعنف ما تعجز عنه بالسلاح، مستغلةً لحظات الصدمة لجرّ المجتمعات نحو الاستقطاب والفتنة.

ومن هنا فإن حماية الدولة لا تقتصر على دور مؤسساتها الأمنية والقانونية وحدها، بل تمتد إلى وعي المجتمع وقدرته على التمييز بين الحقيقة والإشاعة وبين المحاسبة والانفعال.

فالوعي المجتمعي، كما أن استقرار الدولة لا يقوم على السلطة المجردة - وفق ما أشار إليه مونتسكيو- ، يشكل جزءًا أصيلًا من الأمن الوطني وخط الدفاع الأول عن الاستقرار.

ولأن الأردن بنى تماسكه عبر عقود من الحكمة السياسية والتعايش واحترام التنوع، فإن العبث بوحدته الوطنية أو الاستثمار في مشاعر الغضب لا يمثل مجرد خطأ في التقدير، بل مساسًا بأحد أهم عناصر قوته، ذلك أن قوة الدول في أوقات الأزمات لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسك مجتمعها وصون وحدته.

ولعلّ المشهد الأشد وقعًا في الوجدان كان ردّة الفعل الأردنية عليها ، إذ أثبت الأردنيون من مسلمين ومسيحيين أن ما يجمعهم أعمق من أن تعبث به يد الإرهاب، وأن الوحدة الوطنية في الأردن ليست شعارًا سياسيًا يُرفع في المناسبات، بل حقيقة متجذرة في الضمير الوطني عبر عقود طويلة.

وقد تجلّى ذلك بوضوح في موقف جلالة الملك عبد الله بن الحسين – حفظه الله - الذي سارع إلى مواساة ذوي الضحايا ومتابعة تداعيات الحادثة، في رسالة سياسية ووطنية أكدت أن الدولة تنظر إلى المصاب بوصفه مصابًا أردنيًا عامًا لا يخص طائفة أو فئة بعينها، وأن الاعتداء على مواطن في مكان عبادته هو اعتداء على هيبة الدولة وقيمها الجامعة.

وعلى امتداد المملكة شهدت الكنائس وبيوت العزاء حضورًا واسعًا من أبناء المجتمع الأردني بمختلف مكوناته، وتقدّم المسلمون إلى جانب إخوانهم المسيحيين في مشهد جسّد أسمى معاني المواطنة والتكافل الإنساني، فارتفعت الدعوات بالرحمة للضحايا، وقُرئت فاتحة الكتب أمام الكنائس، وامتلأت بيوت العزاء بوجوهٍ جاءت لتقول : إن الألم واحد وإن الدم الأردني لا يُصنّف على أساس دين أو عقيدة.

ولقد أراد الإرهاب أن يضرب النسيج الوطني فإذا به يكشف متانته، وأراد أن يزرع الشقاق فإذا بالأردنيين يقدمون درسًا وطنيًا في التآخي والوحدة. وفي تلك اللحظات لم يكن المشهد مجرد تعبير عن التعاطف مع الضحايا، بل كان استفتاءً وطنيًا صامتًا على هوية الأردن ورسالة شعبه، وإعلانًا واضحًا بأن الأردنيين مهما اختلفت معتقداتهم الدينية يجتمعون حول وطن واحد ومصير واحد، وأن الوطن الذي يلتف أبناؤه حول بعضهم في ساعات الحزن كما يلتفون في ساعات الفرح يبقى عصيًا على الكراهية وأقوى من كل محاولات العبث بوحدته واستقراره.

ما بين حق الدفاع و واجب الأخوّة العربيّة .

لا تُبنى الأحكام الرصينة على الظنون، ولا تُستخلص النتائج من الوقائع و المواقف المجتزأة، ولا تُختزل الحقيقة في رواية واحدة لمجرد أنها توافق أهواءنا. فكيف إذا كانت الكلمة قد تؤجج احتقانًا دينيًا، أو تزرع عداءً بين شعبين، أو تسيء إلى علاقة دولتين تجمعهما حدود ومصالح ومصائر متشابكة؟

في خضم الجدل الذي أعقب الضربات الجوية الأردنية داخل الأراضي السورية، تقتضي القراءة السياسية والقانونية المتزنة النظر إلى الوقائع قبل الأحكام؛ فالأردن أكد أن عملياته استهدفت تنظيم داعش استنادًا إلى معلومات ميدانية تتعلق بتهديدات مباشرة للأمن الوطني، لا إلى رغبة في الإضرار بسوريا أو الانتقاص من سيادتها.

وفي الوقت الذي مارس فيه حقه المشروع في حماية أمنه القومي، شدد على اعتزازه بالعلاقات الأخوية مع سوريا، وأعرب عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين، وأعلن العمل على تعزيز التنسيق المشترك في مواجهة الإرهاب.

ومن يقرأ تاريخ العلاقة بين البلدين يدرك أن ما يجمعهما من روابط ومصالح ومصير مشترك أكبر من أي ظرف عابر، وأن تصوير المواجهة مع تنظيم إرهابي عابر للحدود بوصفها مواجهة بين دولتين لا يخدم إلا دعاة الفتنة والتنظيمات المتطرفة.

فالحكمة السياسية تقتضي التمييز بين استهداف الخطر المشترك وبين استهداف الجار الشقيق، لأن ما يحكم العلاقة الأردنية السورية في جوهرها ليس منطق الخصومة، بل منطق الأمن المشترك والتاريخ المشترك والمصلحة المشتركة.

في زمنٍ تتكاثر فيه الفتن وتختلط فيه الأصوات بالحقائق، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الأردنيين ووحدتهم وثقتهم بدولتهم ومؤسساتهم ؛ فالأوطان لا تُحمى بالقوة وحدها، بل تُحمى أيضًا بعقولٍ ترفض الشائعة، وقلوبٍ ترفض الكراهية، وإرادةٍ تدرك أن حماية الدم وصون القانون والحفاظ على الأخوّة الوطنية والعربية هي أعظم انتصار على الإرهاب وأبلغ هزيمة للفتنة.

رحم الله الضحايا الأبرياء، وحفظ الأردن آمنًا موحدًا عصيًا على الإرهاب والفتنة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :