كيف يرى الطفل المصاب بالتوحد الوجوه؟ .. دراسة تكشف السر
28-10-2026 02:35 PM
عمون - كشفت دراسة جديدة عن فروق مهمة في استجابة أدمغة الأطفال المصابين بالتوحد للوجوه البشرية، وتُعد من أوسع الأبحاث التي تناولت إدراك الوجوه لدى المصابين بالتوحد.
ويميل بعض المصابين بالتوحد إلى النظر للوجوه بوتيرة أقل أو تجنب التواصل البصري، وقد يجدون صعوبة أكبر في تذكر الوجوه أو تفسير تعابيرها مقارنة بغيرهم.
وقد سعى العلماء منذ عقود إلى فهم النشاط الدماغي وراء ذلك، ففي مطلع الألفية، أفاد باحثون في جامعة ييل بأن مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة الوجوه أقل نشاطًا لدى المصابين بالتوحد، بحسب تقرير نشره موقع "Science Daily".
ويدرس أستاذ في مركز دراسة الطفل ومدير مركز صحة الدماغ والعقل بجامعة ييل، جيمس ماكبارتلاند، معالجة الوجوه لدى المصابين بالتوحد باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG)، وهي تقنية تسجل النشاط الكهربائي للدماغ. غير أن الدراسات السابقة اكتفت عادةً بإشارات من مناطق محدودة بدلًا من تحليل النشاط عبر فروة الرأس كلها.
ولتكوين صورة أشمل، أجرى الفريق دراسة على نحو 400 طفل مصاب بالتوحد. ويشبّه ماكبارتلاند الأساليب التقليدية بمحاولة فهم حركة المرور في مدينة كاملة عبر مراقبة شارع واحد في وسطها، قائلًا: "هذه هي الطريقة التي اعتمدتها معظم أبحاث معالجة الوجوه حتى الآن". أما النهج الجديد فيشبه مراقبة المدينة بصور الأقمار الصناعية.
وقال: "هذه أول مرة نستفيد فيها من الحجم الكامل للمعلومات الغنية التي يوفرها تسجيل EEG لفهم إدراك الوجوه والتوحد".
واعتمد الباحثون على بيانات "الاتحاد المعني بالمؤشرات الحيوية للتوحد في التجارب السريرية"، وشملت أطفالًا مصابين بالتوحد وآخرين نمطيين من أعمار مختلفة.
وشاهد المشاركون صورًا لوجوه وأشياء يومية بينما سُجّل نشاط أدمغتهم عبر 128 قطبًا كهربائيًا موزعة على فروة الرأس. ثم استخدم الفريق تقنيات التعلم الآلي لمعرفة ما إذا كانت الأنماط المسجلة تكشف ما يشاهده كل طفل.
وأظهرت النتائج أن نشاط الدماغ كان أوضح دلالة على مشاهدة الوجوه لدى الأطفال النمطيين منه لدى المصابين بالتوحد. وقال الباحث الرئيسي جايسون غريفين، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة هيوستن: "النشاط العصبي الذي نقيسه على فروة الرأس ليس بالوضوح نفسه لدى الأطفال المصابين بالتوحد".
كما تحسنت القدرة على تحديد ما ينظر إليه الطفل من نشاط دماغه مع التقدم في العمر لدى النمطيين، ولم يظهر ذلك لدى المصابين بالتوحد. وأضاف غريفين: "معالجتهم الخاصة بالوجوه لا تسير على المسار نفسه".
وركزت أبحاث سابقة كثيرة على إشارة دماغية تُعرف ب"N170"، وهي تغير كهربائي يظهر عادةً بعد نحو 170 جزءًا من الألف من الثانية من رؤية الوجه، وقد تبيّن أنها تتأخر لدى المصابين بالتوحد. لكن تحليل النشاط على فترة زمنية أوسع كشف أن الفروق تبدأ قبل ظهور هذه الإشارة، ما يعني أنها تنشأ في مراحل أبكر من المعالجة البصرية.
وقال ماكبارتلاند: "لكن حين ننظر إلى معالجة الوجوه بنهج يشمل النطاق الزمني الكامل للمعلومات، نرى أن الفروق في التوحد تظهر في وقت أبكر".
وقد تؤثر النتائج مستقبلًا في أساليب التشخيص وتطوير التدخلات الداعمة. فقد حاول بعض الأطباء قديمًا معالجة صعوبات إدراك الوجوه بإلزام المصابين بالحفاظ على التواصل البصري، لكن الأبحاث أثبتت أن ذلك غير فعال.
ويرى الباحثون أن الفروق المرصودة ترتبط بخصائص نمائية كامنة في التوحد، لا بتراكم الخبرات الحياتية فقط. وأوضح ماكبارتلاند: "حين نرى هذا التنقيح والتخصص المتوقع لدى غير المصابين بالتوحد، نرى تغيرًا نمائيًا أقل لدى المصابين به".
ولأن الفروق تظهر أثناء النمو، فقد يكون الدعم الموجّه لمساعدة الأطفال على تفسير تعابير الوجوه أكثر نفعًا إذا بدأ مبكرًا. غير أن الباحثين يؤكدون أن التوحد لا يسبب بالضرورة صعوبات تستدعي التدخل، فكثير من المتنوعين عصبيًا لا يعانون أي ضعف، وقد لا يحتاجون إلى دعم ولا يرغبون فيه.
وأضاف ماكبارتلاند: "تخيلوا أن تعيشوا حياتكم وأنتم تجدون صعوبة في إدراك المعلومات في وجه الآخر، سواء في ساحة لعب أو في مقابلة عمل".
ويشخّص الأطباء التوحد حاليًا بتقييم السلوك أساسًا، لغياب اختبارات بيولوجية موثوقة للاستخدام الروتيني. وتُعد الأنماط الدماغية المرتبطة بالوجوه مرشحة لتكون مؤشرًا حيويًا يدعم التشخيص أو يساعد على تحديد من يُرجّح أن يستفيدوا من أشكال معينة من الدعم، كتدريب المهارات الاجتماعية.
ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل الاستخدام السريري، يقول ماكبارتلاند: "هذه خطوة أولى نحو تقديم مؤشر حيوي جديد".
العربية