روبوتات الدردشة تتقن تقليد البشر لدرجة أن الذكاء الاصطناعي يعجز عن كشفها
28-10-2026 02:56 PM
عمون - في عام 1950، طرح عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ سؤالاً شهيراً: هل تستطيع الآلات التفكير؟ وبدلاً من الدخول في جدل حول تعريف التفكير، ابتكر اختباراً يقوم على لعبة يتبادل فيها شخص أسئلة مكتوبة مع مشاركين لا يراهم، ويحاول تحديد هوية كل منهم ومعرفة ما إذا كان إنساناً أم آلة.
ومنذ ذلك الحين، تطورت روبوتات الدردشة إلى درجة باتت معها قادرة على خداع البشر في نسخ حديثة من هذا الاختبار.
لكن باحثين من جامعة باريس سيتي الفرنسية قرروا طرح سؤال جديد: إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إقناع الإنسان بأنه بشري، فهل يمكن لنموذج ذكاء اصطناعي آخر اكتشاف حقيقته؟
حاولت دراسة جديدة، نُشرت في دورية Computers in Human Behavior Reports، الإجابة عن هذا السؤال من خلال وضع سبعة روبوتات دردشة في دور المحققين، ومطالبتها بالتمييز بين البشر والآلات.
واختبر الباحثون سبعة نماذج للذكاء الاصطناعي، من بينها ChatGPT 4.5 وClaude 3.7 Sonnet وGemini 2.5 Pro وGrok 3، ومنحوها دور المحقق الذي يحاول تحديد هوية الطرف الآخر من خلال محادثة نصية.
وسُمح لكل نموذج بطرح ما يصل إلى 10 أسئلة، مع تحذيره من أن بعض المشاركين قد يقدمون إجابات كاذبة أو يحاولون تضليله.
أما الأطراف التي كان على النماذج كشف هويتها، فضمت 20 متطوعاً بشرياً، إلى جانب النماذج السبعة نفسها.
وخضع كل نموذج لاختبارين مختلفين؛ في الأول، تلقى تعليمات قصيرة تطلب منه التصرف كأنه إنسان، بينما زُود في الثاني بوصف أكثر تفصيلاً لشخصية افتراضية لشاب يبلغ 21 عاماً، يميل إلى التحفظ، ويمارس الركض، ويعزف على البوق في موسيقى الجاز، ويرتكب أحياناً أخطاء إملائية بسيطة.
وكان الهدف من التجربة معرفة ما إذا كانت التفاصيل الشخصية وطريقة التعبير الطبيعية تستطيع مساعدة روبوتات الدردشة على إخفاء هويتها الحقيقية بصورة أكثر إقناعاً.
وأظهرت النتائج أن النماذج كانت بارعة للغاية في تقمص الشخصيات البشرية. فمن بين 98 اختباراً شاركت فيها نماذج الذكاء الاصطناعي بوصفها أطرافاً يجري استجوابها، لم يتمكن المقيمون من كشف سوى ثلاث حالات كانت فيها الآلة تتظاهر بأنها إنسان.
والأكثر إثارة أن الباحثين لم ينجحوا في كشف أي نموذج عندما استخدم الشخصية التفصيلية التي صُممت لتبدو أقرب إلى شخص حقيقي.
كما حصل المشاركون من نماذج الذكاء الاصطناعي، في المتوسط، على تقييمات تشير إلى أنهم أكثر شبهاً بالبشر مقارنة بالمشاركين البشريين الفعليين.
وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة لا تقتصر على قدرة روبوتات الدردشة على صياغة إجابات مقنعة، بل تمتد إلى قدرتها على محاكاة السمات التي يعتمد عليها الآخرون عادةً في الحكم على هوية المتحدث، بما في ذلك أسلوب الكتابة وطول الإجابات والتفاصيل الشخصية.
ولم يكن السبب وراء اكتشاف النماذج الثلاثة التي كُشفت هويتها أنها قدمت معلومات خاطئة أو إجابات غير منطقية، بل إن بعض ردودها بدت منظمة أكثر من اللازم، واتسمت بترتيب وصياغة مثاليين قد يثيران الشك في أن المتحدث ليس بشرياً.
لكن استخدام شخصية افتراضية أكثر تفصيلاً ساعد على التخلص من هذه المؤشرات. فقد أصبحت الإجابات أقصر وأكثر عفوية، وبلغ متوسط طولها نحو 39 كلمة، مقارنة بمتوسط 38 كلمة لدى المشاركين البشر.
ومع اختفاء هذه الفروق، تراجعت قدرة المشاركين على اكتشاف النماذج إلى الصفر في الاختبارات التي استخدمت فيها الشخصية التفصيلية.
ومن التفاصيل اللافتة في الدراسة أن نموذج كلود رفض في البداية التظاهر بأنه إنسان، قبل أن يوضح الباحثون له أن ذلك جزء من تجربة بحثية.
وتأتي الدراسة في وقت تتزايد فيه المخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء حسابات مزيفة وروبوتات آلية قادرة على التفاعل مع المستخدمين عبر الإنترنت، بما في ذلك نشر المحتوى المضلل أو تنفيذ عمليات الاحتيال.
ووفقاً للورقة البحثية، تمثل الروبوتات أكثر من نصف حركة المرور على الإنترنت. وإذا كان من الممكن أن تتجاوز روبوتات الدردشة اختبارات الكشف حتى عندما يتولى الذكاء الاصطناعي نفسه مهمة التحقق من هويتها، فإن الاعتماد على أدوات الكشف الآلية وحدها قد لا يكون كافياً للتصدي لهذه المشكلة.
ويقترح الباحثون الاستعانة بوسائل حماية إضافية، مثل التوقيعات المشفرة التي تساعد على التحقق من مصدر الرسائل أو هوية الأنظمة، إلى جانب الرقابة البشرية، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج الذكاء الاصطناعي لكشف بعضها بعضاً.
وعندما طرح آلان تورينغ فكرته عام 1950، كان السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الآلات تستطيع إقناع البشر بأنها تفكر مثلهم.
وبعد 76 عاماً، تكشف الدراسة الجديدة عن تطور لافت: لم تعد بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تقليد البشر فحسب، بل أصبحت مقنعة إلى درجة يصعب معها على أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى التمييز بينها وبين الأشخاص الحقيقيين.
وتسلط النتائج الضوء على تحدٍ متنامٍ أمام أمن الإنترنت، إذ قد لا يكون السؤال المقبل هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع خداع البشر، بل كيف يمكن التحقق من هوية المتحدث في عالم أصبحت فيه المحادثات الآلية شديدة الشبه بالتواصل البشري.
العربية