الأردن معول بناء لا معول هدم
د. عبدالله هزاع الدعجة
28-10-2026 06:21 PM
تتعاظم مسؤولية الشباب في زمن الحرب ، ويصبح انشغالهم بالسياسة ومناقشة ما يجري حولهم تعبيراً عن الوعي والمشاركة في الشأن العام . ومن حقهم ممارسة هذا الدور بأوسع درجات الحرية ، بما يشمل الاختلاف والنقد والتعبير السلمي ، دون الانزلاق إلى التحريض أو التخوين أو العنف ، إلكترونياً كان أم جسدياً . فالحرية المسؤولة تتيح تعدد المواقف ، وتصون كرامة المختلف وحقه في التعبير .
وفي محيط تعبث به الحروب وخطابات التطرف، يمتلك الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته ووعي مجتمعه ، مقومات مناعة ينبغي تعميقها بالعدالة والثقافة والحوار . ومن هنا ، فإن الموقف من الفكر الشيعي ، أو من أي انتماء مذهبي ، ينبغي ألّا يتحول إلى صدام طائفي في أذهان الشباب الأردني ؛ فالمواقف السياسية تُناقش على أساس الأفعال والمصالح وأثرها في أمن الأردن وسيادته ، ولا تُختزل في هويات الناس وعقائدهم . والثقافة ، بما تنشره من معرفة وتعددية وقبول للاختلاف ، متراس أساسي في مواجهة التطرف.
وإذا كانت جائحة كورونا قد استدعت تضافر الجهود الوطنية لمواجهة خطر صحي عام وعالمي ؛ فإن الحرب تضيف أخطاراً عسكرية وسياسية قد تمس سيادة الدولة وأمنها ووحدة قرارها . وهذا يقتضي تكامل أدوار المؤسسات ، والاحتكام إليها في إدارة شؤون الدفاع والأمن والدبلوماسية والإغاثة ، ورفض أي سلاح أو قرار موازٍ لسلطتها . وتبقى للشباب مسؤوليتهم في السؤال والنقد والتطوع والمبادرة والتثبت من المعلومات ؛ فالثقة بالدولة تقوى بمشاركة مواطنيها ، وقدرتهم على التعبير بحرية ، وإسهامهم الواعي في حماية وطنهم .
من هنا نؤكد أن للمرجعيات الدينية ووزراة الأوقاف والشؤوون والمقدسات الإسلامية ودائرة الإفتاءالعام دور أساسي في ترشيد التوجه الفكري في مجتمع محافظ بغالبيته ، من خلال خطاب ديني مستنير يفتح باب الفهم والحوار ، ويواجه الغلو والتكفير . وتبرز أهمية هذا الدور في صون المجتمع من فوضى الفتاوى التي شهدتها بيئات مجاورة ، دون إسقاط واقعها على الأردن ؛ فالغاية تعزيز مناعتنا الفكرية ، وتجنب الانزلاق إلى التيه والانغلاق والجمود .
قبل ثمانية أعوام ، طرح جلالة الملك سؤالاً بالغ الدلالة عن وسائل التواصل الاجتماعي : أهي وسائل تواصل أم تناحر؟ كان سؤالاً يحمل رؤية استشرافية لما نعيشه اليوم ، حين تتحول هذه المنصات من فضاءات للحوار والتقارب إلى ساحات للاستقطاب والتحريض وتبادل الكراهية .
وفي أيلول الماضي، أكد الملك ، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن أي تهديد لحدود الأردن الشمالية أو أمنه المائي هو تهديد لأمنه القومي . ومن هنا ، تبرز مسؤولية الشباب في تمثّل هذه الرؤية ، وطرح أفكارهم والتعبير عن مواقفهم بأسلوب حضاري مسؤول ، ينسجم مع متطلبات الأمن الوطني ويدعم موقف الدولة بقيادة الملك .
إن هذه المرحلة تتطلب من الجميع، أفراداً ومؤسسات عامة وخاصة ، أن يكونوا عند حسن ظن وطنهم بهم ، وأن ينهض كلٌّ بمسؤوليته، بما يحفظ للأردن أمنه وسيادته ووحدته ، ويجعل المصلحة الوطنية أساساً للموقف والعمل