زيت الزيتون الأردني .. الثقة لا تُبنى بالنصائح
كامل الروضان
21-10-2026 07:25 PM
ضبط آلاف تنكات زيت الزيتون الفارغة، والعثور على خمسة آلاف تنكة أخرى، في قضية يتابعها نشامى الأمن العام والجهات الرقابية، خبر يستحق الإشادة والتقدير، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا مهمًا: كيف نحمي المستهلك من الغش، ونمنع الإساءة إلى سمعة زيت الزيتون الأردني؟
لقد سبق أن نبهنا في مقال نشرناه في عمون بعنوان «زيت الزيتون الأردني.. الثقة تبدأ من العبوة» إلى أهمية حماية هذا المنتج الوطني من الغش والتلاعب، ودعونا إلى توحيد العبوات وربطها بوسائل حماية تتيح التحقق من مصدر الزيت وأصالته. واليوم، تؤكد هذه القضية أهمية الانتقال من طرح الأفكار إلى تنفيذ حلول عملية.
إن التلاعب بزيت الزيتون لا يقتصر ضرره على الخسائر التي تلحق بالمواطن والمزارع، بل يمتد إلى سمعة منتج وطني اكتسب مكانة وثقة في الأسواق. ومع استمرار التحقيقات والفحوصات المخبرية، فإن الواجب يقتضي معالجة الثغرات التي قد يستغلها ضعاف النفوس، دون استباق نتائج الجهات المختصة.
إن وزارة الزراعة، بالتعاون مع المؤسسة العامة للغذاء والدواء ونقابة أصحاب المعاصر، مطالبة بالتحرك نحو حلول علمية وعملية تحد من الغش، بدل الاكتفاء بنصح المواطن بالشراء من المهرجانات أو المصادر الموثوقة. فالمواطن من حقه أن يشتري زيت الزيتون الأردني بثقة، دون أن يتحول إلى خبير مطالب بالتحقق بنفسه من أصالة كل تنكة.
وتقدم التجارب الأوروبية، ومنها الإسبانية والإيطالية، دروسًا مهمة في تتبع المنتج والرقابة على مراحل إنتاجه وتخزينه وتعبئته وتسويقه. ولا يعني ذلك خلو تلك الأسواق من الغش، بل يؤكد أهمية التشريعات والرقابة والضوابط التي تكشف المخالفات وتحد من فرص التلاعب.
ومن هنا، نؤكد مجددًا ضرورة دراسة إنشاء مشروع استثماري حكومي لإنتاج تنكات موحدة لزيت الزيتون الأردني، تحمل اسم المعصرة ورقمها التعريفي، ورقمًا تسلسليًا لكل تنكة، وباركودًا أو رمز استجابة سريعة (QR) يتيح التحقق من مصدرها، إلى جانب أختام أمان وعلامات حماية يصعب تقليدها، ضمن منظومة تخضع للتوثيق والمتابعة والرقابة الرسمية.
وفي عصر التحول الرقمي الذي يشهده العالم، والأردن من الدول الساعية إلى مواكبة هذا التطور، لم يعد من المقبول أن تبقى حماية منتج وطني بهذه الأهمية رهينة الأساليب التقليدية وحدها. فالتقنيات الحديثة متاحة، ويمكن توظيفها لتمكين المواطن من التحقق من مصدر الزيت بهاتفه، ومعرفة المعصرة التي أنتجته، وتعزيز الثقة بالمنتج الأردني، وإغلاق منافذ التزوير والتلاعب قدر الإمكان.
إننا نثمن جهود نشامى الأمن العام والجهات الرقابية في كشف المخالفات وملاحقة المتورطين، لكن حماية زيت الزيتون الأردني تتطلب أيضًا نظامًا يمنع الغش قبل وقوعه. فهذا الزيت ليس مجرد سلعة، بل سمعة وطنية ومصدر رزق لآلاف الأسر، وحمايته مسؤولية لا تحتمل التأجيل.