facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يكون القانون أقوى من المنصب: إعادة الاعتبار للوظيفة العامة وهيبة الدولة


د.عبدالله القضاة
02-11-2026 05:25 PM

لم تكن الرسائل التي وجهها جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش السامي بشأن الوظيفة العامة وسيادة القانون مجرد توجيهات إدارية أو تذكير بأخلاقيات المسؤولية، بل حملت مضامين عميقة تتصل بفلسفة الدولة ومفهوم السلطة العامة، وتؤكد أن هيبة الدولة لا تُقاس بمكانة شاغلي المناصب، بل بمدى خضوع الجميع للقانون واحترامهم للمؤسسات.

عندما يؤكد جلالة الملك أنه «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس»، فإنه يعيد وضع الوظيفة العامة في سياقها الصحيح: تكليف ومسؤولية وأمانة، وليست وجاهة اجتماعية أو امتيازاً شخصياً أو سلطة تمنح صاحبها مكانة فوق المواطنين. فالمنصب العام ليس ملكاً لمن يشغله، وإنما مسؤولية مؤقتة يمارسها باسم الدولة ولخدمة المجتمع، وكلما ارتفع الموقع الإداري تعاظمت المسؤولية واتسعت دائرة المساءلة.

لكن الرسالة الأكثر عمقاً وحسماً تكمن في تأكيد جلالته أن «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً». وهذه ليست عبارة قانونية فحسب، بل قاعدة تأسيسية في بناء الدولة المؤسسية؛ فسيادة القانون لا تتحقق بمجرد وجود التشريعات، وإنما بقدرة الدولة على إنفاذها على الجميع دون استثناء أو انتقائية. فلا قيمة لقانون تطبق أحكامه على المواطن العادي، بينما يتردد البعض في تطبيقه عندما يتعلق الأمر بصاحب منصب أو نفوذ أو علاقة.

إن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على مساءلة الضعيف، بل في ضمان خضوع صاحب السلطة للمساءلة بالمعايير والإجراءات ذاتها. فالمنصب لا ينشئ حصانة، والنفوذ لا يخلق حقاً خارج القانون، والمكانة الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للتأثير في القرار الإداري أو تعطيل العدالة.

ومن هنا تبرز العلاقة العضوية بين سيادة القانون وحياد الوظيفة العامة. فالموظف العام ليس موظفاً لدى المسؤول الذي يدير المؤسسة، ولا أداة لخدمة الأشخاص أو الجماعات أو المصالح الضيقة، وإنما هو موظف لدى الدولة، تحكم عمله التشريعات وتوجهه المصلحة العامة. والحياد الوظيفي يعني أن يحصل المواطن على حقه دون أن يحتاج إلى واسطة، وأن تتساوى فرص المواطنين في الخدمة والمعاملة، وألا تتغير القرارات الإدارية تبعاً للنفوذ أو العلاقات أو الاعتبارات الشخصية.

والحياد لا يعني السلبية أو غياب المبادرة، بل يعني المهنية والتجرد والشجاعة في تطبيق القانون، حتى في ظل الضغوط. كما أن احترام التسلسل الإداري لا يعني تنفيذ توجيهات تخالف التشريعات، وإنما الالتزام بالتوجيهات المشروعة في إطار القانون.

وفي هذا السياق، فإن مسؤولية ترسيخ هذه الثقافة لا تقع على الموظف وحده، بل تبدأ من القيادات الإدارية العليا. فالمؤسسة التي تتحدث عن النزاهة بينما تمارس المحاباة، أو تدعو إلى سيادة القانون بينما تسمح بالتدخلات في قراراتها، لا تستطيع بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الثقة والعدالة. والقيادة الحقيقية تُقاس بقدرتها على احترام القواعد قبل مطالبة الآخرين باحترامها، وبممارسة المساءلة دون انتقائية، وتوفير الحماية للموظف الذي يؤدي واجبه بنزاهة ويرفض التجاوز.

إن التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من الرسائل والمبادئ إلى منظومة إدارية تترجمها إلى واقع ملموس. وهذا يتطلب مراجعة الممارسات التي تسمح بتداخل النفوذ مع القرار الإداري، وتعزيز معايير الجدارة والاستحقاق في التعيين والترقية، وتكريس الشفافية في الإجراءات، وربط المسؤولية بالصلاحية والمساءلة، وتطوير أدوات قياس أداء المؤسسات على أساس النتائج وجودة الخدمات ورضا المواطنين، لا الاكتفاء بالإجراءات والأنشطة الشكلية.

كما يتطلب ذلك بناء بيئة مؤسسية تحمي المال العام، وتمنع تضارب المصالح، وتضمن استقلالية القرار الإداري ضمن أحكام القانون، وتوفر آليات عادلة وفعالة للمساءلة والتظلم، بما يحمي حقوق المواطنين والموظفين على حد سواء.

إننا بحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والإدارة العامة على أساس الثقة والعدالة وتكافؤ الفرص؛ فالمواطن لا ينبغي أن يبحث عن مسؤول يعرفه حتى يحصل على حقه، والموظف لا ينبغي أن يحتاج إلى صاحب نفوذ حتى يتمكن من أداء واجبه، والمسؤول لا ينبغي أن يعتقد أن موقعه يمنحه سلطة خارج حدود القانون.

إن الرسالة الملكية تضع أمام الإدارة العامة اختباراً حقيقياً: هل نستطيع الانتقال من ثقافة إدارة الأشخاص إلى ثقافة إدارة المؤسسات؟ ومن اعتبار المنصب امتيازاً إلى اعتباره مسؤولية؟ ومن التعامل مع سيادة القانون كشعار إلى جعلها ممارسة يومية يشعر بها المواطن في كل مؤسسة ومعاملة وقرار؟

فالدولة القوية ليست تلك التي تعلو فيها مكانة الأشخاص، بل التي تعلو فيها مكانة القانون؛ وليست التي يخشى فيها المواطن نفوذ المسؤول، بل التي يثق فيها بأن حقه مصان، وأن مؤسساتها تعمل بالمعيار ذاته مع الجميع.

فالمنصب إلى زوال، والمسؤولية أمانة مؤقتة، أما الدولة ومؤسساتها وسيادة قانونها فتبقى فوق الأشخاص جميعاً.

* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :