خطاب العرش .. فصل الخطاب .. سيدنا كبير القدر والمقدار
السفير جمعة العبادي
02-11-2026 05:36 PM
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين خطاباً تقليدياً لافتتاح دورة برلمانية، بل جاء خطاباً واضحاً في رسائله، حاسماً في مواقفه، ومحدداً لأولويات الدولة الأردنية واستحقاقات المرحلة، في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتحولات وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية متسارعة.
لعل أبرز ما ميز الخطاب أنه وضع الأمن الوطني الأردني والوحدة الوطنية في مقدمة الثوابت التي لا تقبل المساومة، وجاءت الإشارة إلى الجريمه الإرهابيه ، التي استهدفت الأردن وأدت إلى استشهاد كوكبة من أبنائه في محافظة الكرك ،لتؤكد أن الدولة لن تتهاون مع الإرهاب والخارجين على القانون والقيم الأردنيه . فالرسالة الملكية كانت حاسمة : لا مكان للإرهابيين والتكفيريين بين الأردنيين، ولا تسامح مع فكر يستهدف الدولة أو يسعى إلى تفكيك نسيجها الاجتماعي وإثارة الفتنة بين أبنائها.
إن مواجهة الإرهاب لا تنتهي بإحباط مخططاته أمنياً، على أهمية ذلك، بل تتطلب معركة وعي وطنية شاملة لمواجهة الفكر المتطرف والتكفيري وتجفيف منابعه الفكرية والثقافية، وتعزيز ثقافة الاعتدال والانتماء والمواطنة كما أوردته في مقالي السابق " معركة الوعي " ، وهنا تبرز أهمية التلاحم بين القيادة والشعب، وبين مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية، في حماية الأردن وصون هويته الوطنية. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً، بل هي خط الدفاع الأول عن الدولة، والضمانة الحقيقية في مواجهة كل محاولات الاختراق والعبث بأمن الوطن واستقراره.
كما جاءت إشادة جلالة الملك بتضحيات القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية تأكيداً للدور المركزي الذي تضطلع به في حماية الوطن وصيانة أمنه وسيادته. كما أن الرهان الملكي على وعي الأردنيين وحكمتهم وتماسكهم يحمل رسالة ثقة ومسؤولية في آن واحد، مفادها أن قوة الأردن لا تقوم على مؤسساته وقدراته فحسب، بل تستند أيضاً إلى شعب يدرك طبيعة التحديات، ويتمسك بوحدته وثوابته الوطنية مهما اشتدت الظروف.
وعلى الصعيد الخارجي، جدد جلالة الملك التأكيد على ثبات السياسة الأردنية في الدفاع عن قضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفض استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، والتأكيد أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا دون إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة. كما أن الإشارة الملكية إلى امتداد هذا الموقف عبر الأجيال الهاشمية تؤكد أن الدفاع عن فلسطين والقدس ليس موقفاً ظرفياً أو استجابة لمتغيرات سياسية، بل هو ثابت تاريخي ووطني وقومي في النهج الأردني.
وتحمل هذه الرسالة أبعاداً سياسية ودبلوماسية مهمة، فهي تؤكد أن الأردن، رغم ما يحيط به من تحديات وضغوط، سيبقى متمسكاً بثوابته العربية، ومدافعاً عن مصالحه الوطنية، ورافضاً لمحاولات فرض الأمر الواقع أو شرعنة الاعتداء على الحقوق الفلسطينية. كما أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تمثل تهديداً يتجاوز حدود فلسطين، ليطال أمن المنطقة واستقرارها ومستقبل شعوبها.
أما على الصعيد الداخلي، فقد وضع جلالة الملك مجلس الأمة أمام مسؤولياته الدستورية والسياسية، باعتباره ركناً أساسياً في الحياة السياسية والتشريعية ، مشدداً على أن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة ورقيباً على الأداء الحكومي. وهي رسالة تؤكد أهمية تطوير العمل البرلماني، وتعزيز الرقابة والمساءلة، والارتقاء بمستوى التشريع والحوار، بحيث يكون الاختلاف في الرأي مصدر إثراء للعمل الوطني، لا سبباً لتعطيله، وتكون مصلحة الأردن والأردنيين هي البوصلة التي تحكم المواقف والقرارات.
وفي الجانب الاقتصادي، أعاد جلالة الملك التأكيد على أن المواطن يجب أن يكون في صلب السياسات والقرارات، وأن معيار التنمية الحقيقية هو أثرها المباشر في معيشته وفرص عمله وتعليمه وصحته ومستقبل أبنائه. ومن هنا تأتي أهمية تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى ومبادرات التحديث الاقتصادي، وتحويل الخطط إلى إنجازات ملموسة، يلمس أثرها المواطن الأردني،بما يعزز منعة الاقتصاد الوطني، ويستقطب الاستثمارات، ويوفر فرص العمل، ويرفع قدرة الأردن على مواجهة التحديات الاقتصادية.
ولعل الرسالة الأكثر حسماً في الجانب المتصل بالأمن الوطني الاستراتيجي تمثلت في تأكيد جلالة الملك على الأمن المائي، من خلال تكرار عبارة «المياه، المياه، المياه»، في تعبير واضح عن حجم هذا التحدي ومكانته في سلم الأولويات الوطنية. فالمياه في الأردن هي قضية سيادة وأمن وطني و اجتماعي واقتصادي، وحق للأجيال الحاضرة
والقادمة. ومن هنا، فإن توجيه الحكومة إلى مواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع الخطط الاستباقية لحماية الموارد واستدامتها يجب أن يترجم إلى عمل عاجل ومتكامل، يضمن تنويع مصادر المياه، وتسريع المشاريع الاستراتيجية، والحد من الفاقد، وتعزيز الإدارة الرشيدة لهذا المورد الحيوي. فلا تنمية مستدامة من دون أمن مائي، ولا يجوز أن تبقى احتياجات الأردنيين المائية عرضة للظروف والتقلبات والأطماع والمخططات المعاديه .
وفي إطار ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، جاء تأكيد جلالة الملك على سيادة القانون وعدم وجود حصانة لأي مسؤول يسيء استخدام موقعه، ليضع مبدأ المساءلة فوق الاعتبارات الشخصية والمواقع والنفوذ. فالوظيفة العامة تكليف ومسؤولية وخدمة للمواطن، وهيبة الدولة لا تكتمل إلا بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتعزيز النزاهة والشفافية وكفاءة الإدارة العامة.
كما حمل الخطاب رسالة انفتاح واضحة تجاه الرأي العام، من خلال تأكيد حق الأردنيين في التداول بالشأن العام والتعبير عن آرائهم في إطار الدستور والقانون، وترسيخ أدب الاختلاف والحوار المسؤول. وهي دعوة إلى توسيع المشاركة الوطنية، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وجعل النقد المسؤول رافعة للإصلاح والتطوير
إن خطاب العرش، في جوهره، رسم معادلة متكاملة لقوة الأردن ومنعته ، أمن وطني راسخ، وحدة وطنية مصانة، مؤسسات فاعلة، سيادة للقانون، اقتصاد منتج ،أمن مائي مستدام وسياسة خارجية ثابتة في الدفاع عن المصالح الأردنية والقضايا العربية. وهذه المفاصل ليست أولويات منفصلة، بل عناصر متكاملة في حماية الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
وعليه تبقى المسؤولية في ترجمة هذه الرسائل الملكية إلى برامج تنفيذية ونتائج ملموسة ،فالحكومة مطالبة بالإنجاز، ومجلس الأمة مطالب برقابة فاعلة وتشريعات تخدم المصلحة العامة، ومؤسسات الدولة مطالبة برفع كفاءة أدائها، والمجتمع مطالب بالحفاظ على وحدته ووعيه ومناعته الوطنية.
إن خطاب العرش، في جوهره، يؤكد أن أمن الأردن واستقراره ووحدته الوطنية هي الثوابت التي تعلو على كل اعتبار، وأن قوة الدولة تستند إلى تماسك شعبها، وصلابة مؤسساتها، ويقظة جيشها وأجهزتها الأمنية، ووعي أبنائها في مواجهة الإرهاب والفكر التكفيري وكل محاولات العبث بأمن الوطن ونسيجه الاجتماعي.
وإذا كان جلالة الملك قد أكد ثقته بشعبه ورهانه على وعيه وحكمته ووفائه، فإن أبناء شعبه الأردني الوفي يؤكدون، في المقابل، وقوفهم خلف جلالته، عزّوه وسنداً وظهيراً في مواجهة مختلف التحديات.
وسيظل الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي وجيشه العربي وأجهزته الأمنية، كبير القدر والمقدار، عزيزاً شامخاً، موحداً ومنيعاً، عصياً على الإرهاب والفتن ومخططات المعتدين. فهذا وطن مجرب لا تزيده المحن إلا تماسكاً، وسيبقى الأردنيون كما أرادهم جلالة الملك ، أهلاً وعشيرة وسنداً، يقفون خلف قيادتهم صفاً واحداً، دفاعاً عن الأردن ،امضي سيدنا ، خلفك لن يظمأ الأردنيون .