الأردن أكبر من التحديات وأقوى بوحدة شعبه وحكمة قيادته…!!!
أ.د.فيصل الرفوع
02-11-2026 07:24 PM
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، يوم الاثنين الثاني من تشرين الثاني 2026، مجرد خطاب دستوري تقليدي، بل كان خطاب دولة وقائد وأمة، ورسالة وطنية وتاريخية عميقة، حملت في مضامينها الحكمة والشجاعة والحزم، وجسّدت إرادة الأردن الراسخة في الدفاع عن سيادته وأمنه واستقراره وكرامة شعبه، مهما تعاظمت التحديات واشتدت الأزمات.
لقد تحدث جلالة الملك بلسان القائد الذي يعرف وطنه، ويثق بشعبه، ويؤمن بأن قوة الدولة لا تُقاس بحجم مواردها المادية وحدها، وإنما بصلابة مؤسساتها، ووعي أبنائها، ووحدتهم الوطنية، واستعدادهم للدفاع عن أرضهم وكرامتهم ومستقبل أجيالهم.
وجاء الخطاب في مرحلة دقيقة من تاريخ الأردن والمنطقة، تتشابك فيها التهديدات الأمنية والتحديات الاقتصادية والمائية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، ليؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه العربي الأصيل وجيشه العربي الباسل وأجهزته الأمنية اليقظة، سيبقى دولة راسخة الجذور، عصية على الإرهاب والعدوان ومحاولات العبث بأمنها واستقرارها.
أولاً: أمن الأردن وسيادته فوق كل اعتبار
لقد كان جلالة الملك واضحاً وحاسماً في مواجهة الإرهاب، ولا سيما بعد الجريمة الإرهابية الغادرة في الكرك، حين أكد أن دماء الشهداء عهد في أعناقنا، وأن الأردن لن يسمح للإرهابيين بأن يمسوا أمن الوطن ووحدته.
إن هذه الرسالة الملكية ليست موقفاً أمنياً عابراً، بل تعبير عن عقيدة وطنية راسخة، تؤكد أن أمن الأردن خط أحمر، وأن حماية الدولة مسؤولية مشتركة بين القيادة والمؤسسات والمواطنين.
وإننا، ونحن نستذكر شهداء الوطن الأبرار، ننحني إجلالاً لتضحياتهم، ونحيّي بكل فخر واعتزاز نشامى القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، الذين يسهرون على حماية الوطن، ويقدمون أرواحهم دفاعاً عن أمنه وسيادته وكرامته.
فالأردن الذي صمد أمام العواصف السياسية والحروب والأزمات الإقليمية عبر تاريخه، قادر اليوم، بإذن الله، على تجاوز التحديات، ما دامت وحدته الوطنية راسخة وثقته بقيادته ومؤسساته ثابتة.
ثانياً: الوحدة الوطنية مصدر القوة والمنعة
إن من أعمق الرسائل التي حملها خطاب جلالة الملك تأكيده أن قوة الأردن تكمن في شعبه، وفي وعيه وحكمته وتماسكه في مواجهة المحن.
وهنا تتجلى فلسفة القيادة الهاشمية التي لم تنظر إلى المواطن باعتباره متلقياً للقرارات، بل شريكاً أساسياً في حماية الدولة وبناء مستقبلها.
فالوحدة الوطنية ليست شعاراً نردده في المناسبات، وإنما مسؤولية تاريخية وأخلاقية وسياسية تفرض علينا جميعاً تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة، ورفض خطاب الكراهية والتفرقة والتشكيك، وتعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل.
إن اختلاف الآراء والاجتهادات السياسية أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، لكنه يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإضعاف الدولة أو تمزيق نسيجها الاجتماعي. فالأردن يتسع لجميع أبنائه، وتبقى مصلحته العليا هي البوصلة التي ينبغي أن توجه الجميع.
ثالثاً: فلسطين قضية مبدأ وهوية ومصير
لقد حمل خطاب العرش السامي موقفاً عربياً هاشمياً ثابتاً تجاه القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن تحقيقهما دون إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة على أرضه.
وجاءت كلمات جلالة الملك لتؤكد أن المواقف الأردنية تجاه فلسطين والقدس ليست مواقف ظرفية تحكمها التحولات السياسية، وإنما ثوابت تاريخية وأخلاقية وقومية متجذرة في وجدان الدولة الأردنية وقيادتها الهاشمية.
إن استمرار المأساة الإنسانية في قطاع غزة، والاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، والسياسات التوسعية التي تهدد مستقبل المنطقة، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والإنسانية والأخلاقية.
وقد أعاد جلالة الملك التأكيد على حقيقة سياسية وتاريخية جوهرية: أن القوة لا تصنع الحق، وأن الاحتلال لا يكتسب الشرعية بمرور الزمن، وأن حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم.
وهنا تبرز أهمية الدور الأردني، بقيادته الهاشمية، في الدفاع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وحماية الحقوق الفلسطينية، والعمل من أجل سلام عادل وشامل يحفظ كرامة الشعوب ويصون أمن المنطقة واستقرارها.
رابعاً: كرامة المواطن أساس التنمية وغاية الإصلاح
لم يغفل جلالة الملك، في خضم التحديات الأمنية والإقليمية، هموم المواطن الأردني وتطلعاته المشروعة إلى حياة كريمة ومستقبل أفضل.
فقد وضع جلالته مصلحة المواطن في قلب عملية صنع القرار، مؤكداً أن التنمية الحقيقية تُقاس بما يلمسه الإنسان في حياته اليومية، وفي فرص العمل والتعليم والصحة ومستقبل أبنائه.
وهذه رسالة واضحة إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية بأن نجاح السياسات العامة لا يُقاس بكثرة الخطط والتصريحات، وإنما بالنتائج الفعلية التي يشعر بها المواطن.
إن الأردن بحاجة إلى تسريع تنفيذ المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية، وتوسيع فرص العمل أمام الشباب، وتعزيز الاستثمار المنتج، وتحقيق التنمية المتوازنة بين المحافظات، بما يضمن العدالة وتكافؤ الفرص.
كما أن تأكيد جلالة الملك المتكرر على أولوية المياه يعكس إدراكاً استراتيجياً عميقاً بأن الأمن المائي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والسيادة الأردنية، وأن حماية الموارد المائية وضمان استدامتها مسؤولية وطنية تجاه الأجيال الحاضرة والقادمة.
خامساً: سيادة القانون وهيبة الدولة أساس العدالة
ومن أبرز المضامين الإصلاحية في خطاب العرش السامي تأكيد جلالة الملك أن الوظيفة العامة مسؤولية لخدمة الناس، وليست امتيازاً أو وسيلة للنفوذ، وأن القانون يجب أن يسري على الجميع دون استثناء.
إن هذه الرؤية الملكية تضع أسس الدولة الحديثة القائمة على العدالة والمساءلة والنزاهة وتكافؤ الفرص، وتؤكد أن هيبة الدولة الحقيقية تنبع من احترام القانون، وصون حقوق المواطنين، وحماية المال العام، ومحاربة الفساد والمحسوبية وإساءة استعمال السلطة.
كما وجّه جلالته رسالة مهمة إلى مجلس الأمة، مفادها أن البرلمان ليس مجرد مؤسسة لإصدار التشريعات، بل هو صوت الشعب، وحارس المصلحة العامة، ورقيب على الأداء الحكومي.
ومن هنا، فإن مسؤولية مجلس الأمة العشرين تتجاوز ممارسة الصلاحيات الدستورية إلى الارتقاء بمستوى الخطاب السياسي والرقابي والتشريعي، واستعادة ثقة المواطنين بالعمل البرلماني، وتعزيز المسيرة الديمقراطية بروح وطنية مسؤولة.
سادساً: الأردن العربي والرسالة الهاشمية المستمرة
لقد أعاد جلالة الملك التأكيد على تمسك الأردن بهويته العربية ودوره التاريخي في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى أن وحدة الموقف العربي تظل هدفاً استراتيجياً مهما بدت التحديات كبيرة.
وهذه رسالة بالغة الأهمية في زمن تتعرض فيه المنطقة العربية لتحولات خطيرة، وتزداد فيه الحاجة إلى التضامن العربي والتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي.
فالأردن، رغم محدودية موارده، ظل حاضراً في الدفاع عن القضايا العربية، ومتمسكاً بمبادئ الاعتدال والحوار والسلام العادل، ورافضاً المساس بسيادة الدول العربية وأمنها واستقرارها.
إن قوة الأردن ليست في قدراته الذاتية فحسب، بل أيضاً في مكانته السياسية والأخلاقية، ومصداقية قيادته، واحترامه لالتزاماته العربية والدولية.
وأخيراً: من خطاب العرش إلى مسؤولية العمل الوطني
إن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني لم يكن مجرد تشخيص للتحديات، بل رسم خريطة طريق واضحة لمستقبل الأردن، تقوم على حماية الأمن الوطني، وترسيخ الوحدة الداخلية، وتعزيز سيادة القانون، وتسريع التنمية الاقتصادية، وصون الأمن المائي، والدفاع عن قضايا الأمة العربية وفي مقدمتها فلسطين.
وإن الوفاء الحقيقي لهذا الخطاب التاريخي لا يكون بالإشادة بمضامينه وحدها، وإنما بترجمتها إلى سياسات وقرارات وإنجازات يلمسها المواطن في حياته اليومية.
فالمسؤولية اليوم تقع على الحكومة ومجلس الأمة ومؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والنخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية، وعلى كل مواطن أردني مخلص، للعمل بروح وطنية واحدة، تتقدم فيها مصلحة الأردن على كل اعتبار.
وبصفتي أكاديمياً أردنياً خدمت وطني في ميادين التعليم والعمل العام، أرى في هذا الخطاب تجسيداً عميقاً لفلسفة الدولة الأردنية التي تجمع بين قوة المؤسسات وإنسانية القيادة، وبين الاعتزاز بالهوية الوطنية والانتماء العربي، وبين حماية الحاضر واستشراف المستقبل.
إن الأردن ليس مجرد مساحة جغرافية على خريطة الشرق الأوسط؛ إنه وطن له تاريخ ورسالة وكرامة، ودولة صنعت من التحديات فرصاً للصمود، ومن المحن أسباباً لمزيد من التلاحم والتماسك.
وسيظل الأردن، بإذن الله، أكبر من كل المؤامرات، وأقوى من كل التحديات، وأسمى من كل محاولات النيل من وحدته وسيادته.
وسيظل شعبه الأردني الوفي، بكل أطيافه ومكوناته، ملتفاً حول وطنه ومؤسساته وقيادته الهاشمية، مؤمناً بأن مستقبل الأردن يُبنى بالعمل والعلم والإخلاص والعدل، وأن كرامة الوطن من كرامة أبنائه، وأن أمنه واستقراره أمانة في أعناق الجميع.
حمى الله الأردن، والأمة العربية المجيدة، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا العزيز نعمة الأمن والوحدة والعزة والكرامة.