facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجامعة التي يحتاجها اقتصاد المستقبل من إنتاج الأبحاث إلى إنتاج الشركات


الدكتورة الصيدلانية سارة غريز
02-11-2026 07:56 PM

متخصصة في الابتكار والملكية الفكرية واقتصاد المعرفة

من أكثر المفاهيم التي باتت تستدعي إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي، اختزال دور الجامعة في كونها مجرد محطة انتقالية بين المدرسة وسوق العمل؛ حيث يلتحق بها الطالب لاكتساب المعرفة والحصول على شهادة أكاديمية، ثم يغادرها بحثاً عن وظيفة في سوق العمل. ورغم أن هذا الدور لا يزال أساسياً، فإنه لم يعد كافياً لمواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث. فالجامعة المعاصرة لم تعد مجرد مؤسسة لإعداد الكفاءات وتأهيلها للوظائف القائمة، بل أصبحت شريكاً في صناعة المستقبل الاقتصادي، ومصدراً لتوليد الفرص، وبيئة لإنتاج المعرفة والابتكار، وتحويلهما إلى تكنولوجيا وملكية فكرية ومشاريع وشركات واستثمارات، بل وإلى وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل.

فالطالب الذي يعمل إلى جانب أستاذه على تطوير تقنية جديدة، ينبغي ألا تكون الشهادة الأكاديمية هي كل ما يحمله معه عند مغادرة الجامعة، بل قد تكون فكرة شركة ناشئة تؤسس لفرصة اقتصادية جديدة. والباحث الذي يتوصل إلى طريقة مبتكرة لمعالجة المياه، يجب ألا ينتهي به المطاف إلى ترك اختراعه حبيس المختبر، بل ينبغي أن تتاح له منظومة قادرة على تحويل اكتشافه إلى حل تطبيقي يخدم المجتمع. والطبيب الذي يطور جهازاً طبياً، أو بروتوكولاً علاجياً، أو حلاً رقمياً لمعالجة مشكلة صحية محددة، يمكن أن يمتد أثر ابتكاره إلى القطاع الصحي، ليسهم في إحداث نقلة نوعية تنعكس مباشرة على جودة الرعاية الصحية وحياة المرضى.

والأمر ذاته ينطبق على الصيدلاني الذي يطور تركيبة دوائية مبتكرة قد تقدم خياراً علاجياً أكثر أماناً وفاعلية لمرض يعاني منه ملايين الأشخاص حول العالم؛ إذ لا ينبغي أن تبقى هذه التركيبة مجرد صيغة علمية داخل المختبر، بل يمكن أن تتحول، من خلال الحماية الفعالة للملكية الفكرية والتطوير والتصنيع والاستثمار، إلى منتج دوائي، وشركة صناعية قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية. وكذلك المهندس الذي يطور خوارزمية، أو مستشعراً، أو نظام تحكم؛ إذ يمكن أن يتحول إنتاجه العلمي إلى أصل تكنولوجي ذي قيمة اقتصادية، تنطلق منه شركة تقنية قادرة على المنافسة وتقديم حلول للأسواق.

هذه هي الجامعة التي ينبغي أن نتطلع إليها؛ جامعة لا تكتفي بإعداد الخريجين لشغل الوظائف القائمة، بل تسهم في خلق وظائف المستقبل، ولا تقتصر على إنتاج المعرفة، بل تمتلك القدرة المؤسسية على تحويلها إلى ابتكار محمي، وتكنولوجيا قابلة للتطبيق، ومنتجات وشركات واستثمارات. إنها الجامعة بوصفها محركاً للتنمية الاقتصادية، وصانعةً للفرص، ومُمكّنةً للعقول القادرة على قيادة الاقتصاد وصناعة مستقبله، لا مجرد البحث عن موقع لها فيه.

لكن من المهم أن ندرك أن ليس كل بحث علمي قابلًا للتحول إلى شركة، وهذه نقطة جوهرية في فهم الدور الاقتصادي للجامعة. فليس مطلوبًا من كل أستاذ جامعي أن يؤسس شركته الخاصة، ولا من كل أطروحة دكتوراه أن تنتهي بتسجيل براءة اختراع، ولا من كل بحث علمي أن يحقق عائدًا ماليًا مباشرًا.

فهناك علوم إنسانية وأساسية ونظرية تتجاوز قيمتها حدود القياس التجاري، ولا يمكن اختزال أهميتها في قدرتها على تحقيق إيرادات أو جذب استثمارات. بل إن كثيرًا من أعظم الاكتشافات والاختراعات العلمية بدأت بأسئلة بحثية لم يكن لدى أصحابها أي تصور عن تطبيقاتها العملية أو إمكاناتها التجارية المستقبلية.

ومن هنا، فإن الجامعة التي يحتاجها المستقبل ليست جامعة تجارية تسعى إلى تحويل كل معرفة إلى منتج، بل جامعة تمتلك القدرة على تمييز طبيعة المعرفة وتعدد مسارات إنتاجها وقيمتها؛ فتدرك أيّ الأبحاث يمكن أن تتحول إلى ابتكارات وشركات وفرص اقتصادية، وأيّها يشكّل أساسًا للتقدم العلمي والفكري والثقافي على المدى البعيد.

البحث الأساسي يحظى بمساحته، والبحث التطبيقي يجد طريقه إلى التطبيق، والاكتشاف القابل للحماية يُحمى، والتقنية القابلة للترخيص تُرخص، والفكرة التي تصلح لتأسيس شركة تجد منظومة تساعدها على ذلك، المشكلة ليست أن كل بحث يجب أن يتحول إلى اقتصاد، المشكلة أن البحث الذي يستطيع أن يتحول إلى قيمة اقتصادية لا ينبغي أن يموت بسبب غياب الجسر المؤسسي الذي ينقله إليها.






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :