هيبة الخطاب الملكي .. كرامة المواطن بوصلة القيادة الهاشمية
د.فريال حجازي العساف
03-11-2026 07:14 PM
حين يتحدث جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، تُصغي الهيبة، ويُكتب المجد، وتُرفع هامة الأردن عالياً في قمم العزة؛ فحديث ملكٍ مجيدٍ من ملوك بني هاشم لا يكون مجرد خطاب رسمي عابر، بل هو موقفٌ راسخ يختصر كرامة وطن، وصوتٌ عروبي يحمل ثقل التاريخ وشرف المسؤولية. لقد جاء خطاب العرش السامي برؤاه الملكية وتوجيهاته للسلطات كافة ليكون ميثاقاً لحفظ كرامة الوطن والمواطن، صاغه قائدٌ لامست كلماته قلوب الأردنيين قبل أن تخاطب عقولهم. ووسط التحديات، أعادت مضامين الخطاب ورسائله الحاسمة التفاؤل والطمأنينة إلى نفوس أبناء الشعب، معززةً اعتزازهم بملكهم وقائدهم الذي يرسخ بحكمته أمن المواطن وحمايته، ويقود المسيرة برؤية ثاقبة تضع الإنسان الأردني أولاً ودائماً في صلب معادلة الحكم والنهوض الوطني.
لم تكن الكلمات تحت قبة البرلمان مجرد خطبة رسمية لافتتاح أعمال الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، بل جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حاملاً وثيقة تاريخية، ودستور عمل للمرحلة المقبلة. لقد رسم الخطاب بوضوح معالم السياسات الوطنية العليا، وحدد المواقف الإقليمية الراسخة للدولة الأردنية، مسلطاً الضوء على خطط التنمية الشاملة والسياسات الداخلية المتجذرة في وجدان وعراقة هذا الوطن، ليعكس الخطاب عزة الأردن، وقوة مؤسساته، وثبات مواقفه التي لا تقبل المساومة.
افتتح جلالة الملك خطابه بتأكيد حازم على أمن الوطن واستقراره، واضعاً محاربة الإرهاب في مقدمة أولويات المرحلة المقبلة، ومستذكراً بحس وطني عالٍ حادثة الهجوم المسلح الآثم على جنازة في كنيسة "حمود"، ليرسل رسالة مفادها أن العبث بالسلم والامن والاستقرار المجتمعي خط أحمر. ومن هذا المنطلق الأمني،
لم يكن حديث الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش عن التماسك المجتمعي مجرد توصيف عابر، بل جاء تجسيداً لعمق العلاقة الفريدة والراسخة التي تجمع القيادة الهاشمية بأبناء شعبها؛ حيث وضع جلالته الرهان الحقيقي على وعي المواطن وحكمته وإخلاصه كضمانة أولى لحماية الوطن ومكتسباته. هذا الوعي الذي ينظر إليه جلالة الملك بوصفه جدار الحماية الصلب أمام التحديات، يمثل البوصلة الأساسية لمسيرة التحديث الشامل؛ فالأردنيون الذين وصفهم الملك بأنهم موضع ثقته وأهله وعشيرته، هم أنفسهم القادرون على ممارسة "الاختلاف المسؤول" وتحويل حرية الرأي والتعبير إلى مصدر قوة وازدهار، في ظل دولة يسودها القانون، وتتحطم على صخرة وعي أبنائها كل محاولات النيل من ثوابتها واستقرارها.
انتقل الخطاب ليؤسس لمرحلة أكثر فاعلية في الرقابة والمساءلة، مكرساً المبدأ الدستوري في خضوع الجميع للعدالة دون تمييز؛ حيث أعلن جلالته بحسم أنه "لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان، فالقانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً".
إن هذا الحسم الملكي يعيد صياغة مفهوم الوظيفة العامة كـ"تكليف ومسؤولية لا تشريف"، منسجماً مع مخرجات الورقة النقاشية الملكية السادسة ("سيادة القانون أساس الدولة المدنية"). فالصلاحيات الممنوحة للمسؤول تقابلها التزامات تفرض ممارستها في حدود القانون والمصلحة العامة، مما يتطلب تفعيل أدوات الحوكمة والشفافية للحد من الغموض والتفرد بالقرار، وتعزيز قيم تكافؤ الفرص.
وعلى الصعيد الإقليمي، جدد الأردن بزعامته الهاشمية التزامه التاريخي والقومي بالدفاع عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية، مؤكداً عمق المسيرة الممتدة: "ما زلنا ثابتين على موقفنا، متمسكين بعروبتنا وبالدفاع عن قضايا أمتنا، كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي، لتبقى الكلمة العربية الموحدة مرادنا وهدفنا". وفي نبرة تصاعدية امتدت من خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذر الملك مجدداً من الأطماع التوسعية الإسرائيلية بعبارات حُفرت في أذهان الحاضرين: "فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم. ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم. ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضاً واهم".
وفي الشأن التنموي، وجه جلالته الحكومة ومجلس النواب إلى ضرورة مواصلة مسارات التحديث الثلاثة (السياسي والاقتصادي والإداري)، وتسريع تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى التي تضع كرامة المواطن الأردني ومستواه المعيشي في صلب كل قرار. وفي لفتة استراتيجية، أعاد خطاب العرش ملف الأمن المائي إلى صدارة الأولويات الاستراتيجية للدولة، مؤكداً أنه لا مجال للمهادنة فيه، ووجّه الحكومة لوضع خطط استباقية وتنويع مصادر المياه وحمايتها لضمان حقوق الأجيال القادمة والانتقال من مرحلة "إدارة الأزمات" إلى "الاستدامة المائية وكفاءة الإدارة".
لقد جسد الخطاب عمق التلاحم الفريد بين القيادة الهاشمية وأبناء الشعب الذين وصفهم الملك بأنهم موضع ثقته وأهله وعشيرته. وفي دولة يسودها القانون، أكد جلالته أن حرية التعبير والتداول بالشأن العام حق دستوري مشروع، وأن الاختلاف المسؤول مصدر قوة وازدهار.
ولعل العبارة التي تختزل المعاني الوطنية العميقة للخطاب وتجاوزت حدود اللحظة والمناسبة، هي قوله( وأعتمد، بعد الله، على برّكم بهذه الأرض) . إنها صياغة ملكية بالغة البلاغة، جعلت من "البر" ميثاقاً وعنواناً للعلاقة بين الأردني ووطنه؛ فالبر هنا ليس عاطفة عابرة، بل هو إخلاص، وعطاء، وإعلاء لمصلحة الوطن، وصون لمقدراته. واليوم، تقف السلطات التنفيذية والتشريعية أمام مسؤولية تاريخية لترجمة هذه الرؤية السامية من نصوص التشريع إلى واقع التطبيق الصارم، حمايةً لرفعة الأردن ومستقبل أبنائه.
إن تأييد الخطاب الملكي ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو تأييد لمبادئ واضحة: الأردن أولاً، والتمسك بالثوابت الوطنية، ودعم القضية الفلسطينية، والمسائلة والمحاسبة ، واحترام سيادة القانون ، ، والحفاظ على أمن الأردن واستقراره.
حمى الله الأردن وطنا وملكا وشعبا