أخلاقيات الإعلام في استشهاد السلايطة
د. أشرف الراعي
06-11-2026 02:10 PM
استشهاد العريف جواد السلايطة وهو يؤدي واجبه الوطني لم ولن يكون يوما حدثا عابرا في وجدان الأردنيين، فقد رحل الشهيد غدرا وترك وراءه ألما وحزنا كبيرين.
لكن ما يثير التفكير، إلى جانب بشاعة الجريمة التي أودت بحياته، هو ذلك السلوك الذي شهدناه عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تداول لصور الشهيد وهو ملقى على الأرض، في مشهد يكشف عن خلل واضح في أخلاقيات التعامل مع الأحداث والمآسي الإنسانية، ويثير تساؤلات جادة حول المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نشر مثل هذه الصور وتداولها.
أدى التطور التكنولوجي وانتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى تغيير كبير في طريقة نقل الأخبار وتداول المعلومات.فلم يعد نقل الخبر حكرا على المؤسسات الإعلامية أو الصحفيين فقط، بل أصبح كل شخص يحمل هاتفا ذكيا قادرا على تصوير الأحداث ونشرها خلال لحظات، والوصول بها إلى ملايين المتابعين. هذا تغير مهم في عالم الاتصال، لكنه أحدث في المقابل مشاكل قانونية وأخلاقية لم يعد من الممكن تجاهلها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنشر صور ضحايا الجرائم والحوادث والمآسي الإنسانية.
ما شهدناه من تداول صور الشهيد السلايطة يدفعنا إلى التساؤل عن الغاية الحقيقية من نشر هذه المشاهد، وعن المصلحة العامة التي يمكن تحقيقها من تداول صورة رجل فقد حياته وهو يؤدي واجبه. هل أصبح السبق في النشر أهم من احترام كرامة الإنسان؟ وهل باتت مشاعر أسر الضحايا أمرا ثانويا أمام الرغبة في تحقيق المشاهدات والتفاعل على المنصات الرقمية؟ وأين تقف حدود حرية التعبير والنشر عندما تتحول إلى وسيلة للمساس بحرمة الموتى ومشاعر ذويهم؟
المشكلة التي نواجهها اليوم لا تقتصر على سلوك فردي لبعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بل تصل إلى حالة من التراجع في إدراك المسؤولية المترتبة على نشر المحتوى الرقمي. فحرية النشر لا تعني إطلاقا حرية انتهاك الكرامة الإنسانية، كما أن الحق في نقل الخبر لا يمنح صاحبه الحق في نشر كل ما تلتقطه عدسة هاتفه.
ومن المؤسف أن يتحول مشهد إنساني مؤلم إلى مادة للتداول والتعليق وإعادة النشر، دون أدنى اعتبار لأسرة الشهيد التي وجدت نفسها أمام مأساة مضاعفة، بفقدان ابنها أولا، ثم بمشاهدة صوره تنتشر على المنصات الرقمية ثانيا.
أما من الناحية القانونية، فإن المشرع الأردني لم يترك الفضاء الإلكتروني بعيدا عن نطاق التجريم والعقاب. قانون الجرائم الإلكترونية ينظم العديد من الأفعال المرتكبة باستخدام الشبكات المعلوماتية ومنصات التواصل الاجتماعي، ومن بينها بعض صور الاعتداء على الخصوصية ونشر الصور والتسجيلات في الحالات التي حددها القانون. وهو ما يستدعي اليوم تطبيق النصوص القانونية ذات الصلة على كل من يثبت ارتكابه فعلا تتوافر فيه أركان الجريمة، مع ضرورة التمييز بين مجرد نقل الخبر وبين نشر محتوى ينطوي على إساءة أو اعتداء على الحقوق التي يحميها القانون.
كان تحذير مديرية الأمن العام من تداول صور الشهيد ومقاطع الفيديو المتعلقة بالحادثة، وإعلانها ملاحقة المخالفين، خطوة مهمة تؤكد ضرورة عدم ترك هذه الممارسات دون مساءلة. لكن المسؤولية هنا يجب أن تكون مشتركة بين الجهات المختصة والمؤسسات الإعلامية والمجتمع، لأن القانون مهما بلغت صرامة نصوصه لن يكون كافيا ما لم تقترن أحكامه بوعي حقيقي لدى الأفراد بخطورة ما ينشرونه عبر المنصات الرقمية.
أما في الجانب الإعلامي، فإن ما حدث يستدعي إعادة النظر في واقع الممارسة الصحفية والإعلامية في الأردن، وضرورة تفعيل أحكام قانون المطبوعات والنشر، وكذلك قانون الإعلام المرئي والمسموع ضمن نطاق تطبيق كل منهما، وتعزيز الدور الرقابي والتنظيمي لهيئة الإعلام في متابعة التزام المؤسسات الإعلامية بالقواعد القانونية والمهنية. فالإعلام الذي يفترض أن يكون حارسا للحقيقة وناقلا أمينا للخبر لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للإثارة أو استثمار المآسي الإنسانية من أجل زيادة نسب المشاهدة والمتابعة.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي ينبغي أن تضطلع به نقابة الصحفيين في حماية المهنة وتنظيم ممارستها، وفي تعزيز مكانة الصحفي المهني المنتسب إلى النقابة، الذي يفترض أن يمتلك المعرفة القانونية والمهنية والأخلاقية اللازمة لنقل الخبر بصورة صحيحة وسليمة، بعيدا عن المبالغة والإثارة وانتهاك خصوصية الأفراد وكرامتهم. فالمشكلة اليوم لم تعد تقتصر على انتشار ما يعرف بالمواطن الصحفي، وإنما في تراجع الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي المهني وبين النشر العشوائي الذي يمارسه البعض دون معرفة بالمسؤوليات المترتبة عليه.
نقابة الصحفيين مطالبة اليوم بدور أكثر فاعلية في ترسيخ أخلاقيات المهنة، وتفعيل ميثاق الشرف الصحفي، وتعزيز التدريب على التعامل مع المحتوى الرقمي، خصوصا الصور والمقاطع المتعلقة بالجرائم والحوادث والضحايا، إلى جانب مساءلة أعضائها مهنيا عند ثبوت مخالفتهم للضوابط التي تحكم العمل الصحفي. كما أن على المؤسسات الإعلامية أن تدرك أن السبق الصحفي لا يقاس بسرعة النشر وحدها، بل بدقة المعلومة وسلامة مضمونها واحترامها للقيم الإنسانية والمهنية.
لن أدخل هنا في التفاصيل التشريعية المتعلقة بأركان الجرائم والعقوبات المقررة لها، فذلك له مجاله القانوني المتخصص، لكن ما حدث يستوجب دق ناقوس الخطر أمام حالة الانفلات التي يشهدها النشر عبر بعض المنصات الرقمية، ويدعونا إلى المطالبة باستراتيجية وطنية متكاملة لتعزيز أخلاقيات الإعلام والتربية الرقمية، تقوم على تطبيق التشريعات النافذة وتفعيل دور الجهات التنظيمية والمهنية، ورفع مستوى الوعي القانوني لدى المواطنين، بما يضمن تحقيق التوازن بين حرية التعبير وحماية الكرامة الإنسانية.
لقد رحل الشهيد جواد السلايطة وهو يؤدي واجبه تجاه وطنه، وكان الأولى أن تقابل تضحيته بما تستحقه من تقدير واحترام، وأن تصان كرامته ومشاعر أسرته بعيدا عن عدسات الهواتف وشاشات المنصات الرقمية. فليس كل ما يمكن تصويره يجوز نشره، وليس كل ما يصل إلينا من صور ومقاطع يستحق أن نعيد تداوله.
رحم الله الشهيد السلايطة، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، ولعل في هذه الحادثة المؤلمة ما يدفعنا جميعا إلى مراجعة علاقتنا بوسائل التواصل الاجتماعي، وإعادة الاعتبار لأخلاقيات العمل الإعلامي، فالمجتمع الذي يحترم شهداءه لا يكتفي بتكريمهم بعد رحيلهم، وإنما يصون كرامتهم ويحفظ حرمتهم، ويدرك أن احترام الإنسان لا ينتهي بانتهاء حياته.