facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جواد السلايطة .. حين اغتال الإرهاب حلمًا صغيرًا وأيقظ وطنًا كبيرًا


يونس الكفرعيني
07-11-2026 11:59 AM

لم يكن جواد السلايطة يبحث عن مجدٍ تكتبه الصحف، ولا عن بطولةٍ تتناقلها الأجيال. كان واحدًا من أبناء هذا الوطن الطيب، من أولئك الذين يولدون في البيوت البسيطة، ويكبرون على قناعةٍ بأن الكرامة أغلى من المال، وأن لقمة العيش التي تأتي بعرق الجبين أشرف من كنوز الدنيا.

من المشيرفة، حيث تنبت الرجولة في الأرض كما ينبت القمح، وحيث البيوت التي قد تضيق بأهلها مساحةً لكنها تتسع للكرامة والشهامة، خرج جواد يحمل أحلامه المتواضعة، ووجهه الأردني الأصيل.

ولعل أحلامه لم تكن تختلف عن أحلام آلاف الشباب الأردنيين؛ راتبٌ يسند به أهله، ومستقبلٌ يبنيه بصبر، وبيتٌ يملؤه دفئًا، وأيامٌ أكثر رحمةً بمن يحب. أحلامٌ صغيرة في عيون الآخرين، لكنها في عيون أصحابها تساوي الدنيا وما فيها.

ومن يدري كم من أمنيةٍ خبأها جواد في صدره؟ وكم من فرحةٍ كان ينتظرها؟ وكم من دعاءٍ رفعته أسرته إلى السماء ليعود إليها سالمًا؟

ثم جاءت تلك اللحظة السوداء! امتدت يد الإرهاب الغادرة إلى جسد رجل أمن كان يؤدي واجبه، يدٌ حملت الموت، وعقلٌ استباح الدم، وضميرٌ غادرته الرحمة، وفكرٌ مسمومٌ لم يعد يرى في الإنسان إنسانًا، ولا في الحياة حرمة، ولا في الوطن قيمة. في لحظةٍ واحدة، توقّف قلب جواد، لكن آلاف القلوب انكسرت معه.

أيها القاتل، هل كنت تدرك أنك لم تطعن جسد رجل أمن فحسب؟ لقد طعنت قلب أمٍّ كانت تنتظر عودته، وقلب أبٍ كان يرى في ابنه امتداد عمره، وقلوب أهلٍ ربما اختصروا في مستقبله كثيرًا من أحلامهم. لقد اغتلت ضحكةً كانت ستولد، وفرحةً كانت ستكتمل، وغدًا كان ينتظر أن يُعاش.

أيُّ فكرٍ هذا الذي يجعل قتل الأبرياء بطولة؟ وأيُّ مرجعيةٍ عفنةٍ تمنح صاحبها وهم الاقتراب من الله عبر إزهاق أرواح عباده؟ وأيُّ ضلالٍ يجعل من الغدر عقيدة، ومن الدماء طريقًا إلى الجنة؟

إن الإرهاب لا يبدأ حين تُرفع أداة القتل، بل يبدأ حين يُسمَّم العقل، وتُشوَّه معاني الدين، ويُربَّى الإنسان على كراهية المختلف، حتى تصبح الجريمة في نظره عبادة، والموت رسالة.

يا جواد... لقد أدمعت قلوبنا قبل عيوننا. ليس لأننا عرفناك شخصيًا، بل لأننا نعرف الحكاية التي جئت منها. نعرف بيوت الأردنيين التي تقتصد في كل شيء إلا الكرامة، والآباء الذين يتعبون أعمارهم ليقف أبناؤهم على أقدامهم، والأمهات اللواتي يودّعن أبناءهن كل صباح بعبارة: «الله يرضى عليك ويحميك»، ولا يخطر ببالهن أنها قد تكون آخر مرة.

نعرف معنى أن يخرج ابن البيت مرتديًا بزته العسكرية، فتشعر أسرته بالفخر والطمأنينة، بينما لا تعرف أن الوطن قد يستعير هذا الابن يومًا إلى الأبد.

لكن ثمة حقيقةً لم يفهمها القتلة يومًا، ولن يفهموها مهما تكررت جرائمهم. أن الأردن، هذا الوطن الذي خبر الوجع وذاق مرارة الفقد، لا تنكسر روحه كلما فقد شهيدًا، بل يزداد تمسكًا بالحياة، وإصرارًا على حماية أبنائه.

من قرية الحمود إلى المشيرفة الشمالية، ومن شمال الوطن إلى جنوبه، كانت الفواجع تأتي محمّلةً بالحزن، لكنها كانت تكشف في كل مرة عن حقيقةٍ أكبر من الألم: أننا حين يُمسّ أمن الأردن نصبح قلبًا واحدًا، مهما اختلفت أصولنا ومنابتنا ومعتقداتنا.

هنا لا يسأل الأردني عن أصل الشهيد ولا عن عشيرته، ولا عن دين من يقف إلى جواره في العزاء. هنا تصبح كل أمٍّ أمَّه، وكل أبٍ أباه، وكل بيت عزاءٍ بيتنا.

هنا تتشابك أكفّ أبناء المدن والقرى والبوادي والمخيمات، ويلتقي المسلم والمسيحي على وجعٍ واحد، ويقف الجميع تحت علمٍ واحد، لأنهم يدركون أن الوطن يتسع لاختلافهم جميعًا، وأن أمنه حقٌّ لكل من يعيش على أرضه.

وهنا تكمن هزيمة الإرهاب الحقيقية؛ فهو يريد أن يزرع الخوف فنزرع التضامن، ويريد أن يشق الصف فتتقارب الأكتاف، ويريد أن يجعل الدم بابًا للفتنة فنحوّله عهدًا بالوحدة.

غير أن الوفاء لجواد لا يكتمل بالحزن وحده، ولا بالخطب التي ترتفع أصواتها ثم يخفت صداها. الوفاء الحقيقي أن نحمي عقول أبنائنا من التطرف قبل أن نضطر إلى حماية أجسادهم من سلاحه، وأن نواجه خطاب التكفير والكراهية، ونحصّن أبناءنا بثقافة تحترم الحياة وتصون كرامة الإنسان.

يا جواد... اليوم تعود إلى المشيرفة، لكنك لا تعود كما خرجت منها. خرجت ابنًا لبيتٍ وعشيرة، وتعود ابنًا لوطنٍ بأكمله. خرجت تحمل أحلامك الصغيرة، وتعود محمولًا على أكتاف رجالٍ يحملون معك وجع الأردنيين وكبرياءهم.

ولعل أكثر ما يمزق القلب أن الحياة ستواصل سيرها، وستزدحم الشوارع، وسيعود الناس إلى أعمالهم، لكن في بيتك سيبقى غيابك حاضرًا في كل التفاصيل؛ سيبقى مكانك فارغًا، وصوتك مفقودًا، وذكراك حاضرةً كلما فُتح الباب ولم تدخل.

نم قرير العين يا جواد، فما سقطتَ لأن الوطن ضعيف، بل لأنك كنت واقفًا في المكان الذي اختاره الواجب، بينما اختار قاتلك الغدر.

وليعلم كل من تلوّث عقله بفكر الخوارج أن الأردن ليس ساحةً لأوهامهم، وأن وحدته ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل عهدٌ تجدّده دماء أبنائه وتضحياتهم.

سلامٌ على روحك، وعلى كل شهيدٍ دفع من عمره ثمنًا لأننا. وسلامٌ على المشيرفة التي أعطت الوطن واحدًا من أبنائها، فعاد إليها محمولًا بمحبة وطنٍ كامل.

أما أنت أيها الإرهاب، فقد استطعت أن تطفئ حياة جواد، لكنك لم تستطع أن تطفئ الأردن. فالأوطان التي تتوحد عند الجراح، لا تهزمها خناجر الغدر.

رحم الله الشهيد جواد السلايطة، وربط على قلوب أهله وذويه، وحفظ الأردن وأهله من كل شر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :