facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من تجريم الإرهاب إلى تجفيف منابعه


المحامي عامر الهلسه
07-11-2026 04:30 PM

*نحو منظومة تشريعية أردنية أكثر شمولاً وفاعلية في مواجهة الإرهاب وحواضنه

لم يعد الإرهاب في صورته المعاصرة جريمةً تقف عند حدود الفعل الذي يرتكبه منفذوه، أو تنحصر مسؤوليتها في الأشخاص الذين يحملون السلاح وينفذون الاعتداءات؛ اما غدا ظاهرةً إجرامية مركّبة تتغذى على شبكات من الدعم والتمويل والتجنيد والتحريض والتسهيل، وتستند أحياناً إلى بيئات حاضنة توفر لها الغطاء أو الموارد أو المسوغات الفكرية، وتتيح لها إعادة إنتاج ذاتها بأشكال وأساليب متجددة.

ومن هنا، فإن تطوير المنظومة التشريعية الأردنية الناظمة لمكافحة الإرهاب لم يعد مجرد خيار تشريعي قابل للتأجيل، وإنما ضرورة تفرضها طبيعة التهديدات الأمنية وتطور أنماط الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود، وما أفرزته الوقائع من أن مواجهة المنفذ وحده، مهما بلغت فاعليتها، لا تكفي لاجتثاث الظاهرة ما لم تمتد المواجهة إلى منابعها ومصادر تمكينها.

لقد وضع المشرّع الأردني، من خلال قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006 وتعديلاته، إطاراً جزائياً لمواجهة الأفعال الإرهابية، كما أسهمت التشريعات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقانون الجرائم الإلكترونية، وسائر القوانين ذات الصلة، في بناء منظومة قانونية متعددة الأدوات. غير أن تطور أنماط النشاط الإرهابي يستدعي إعادة النظر في مدى تكامل هذه التشريعات، ومدى قدرتها على استيعاب صور الدعم غير المباشر، والشبكات الوسيطة، والهياكل التي تعمل على تمكين التنظيمات الإرهابية واستدامة نشاطها.

أولاً: الحواضن الإرهابية ومسؤولية البيئة المُمكِّنة

إن من أبرز المسائل التي تستحق المعالجة التشريعية وضع إطار قانوني دقيق لمفهوم الحواضن الإرهابية، باعتبارها البيئات أو الشبكات أو الكيانات التي تتجاوز حدود التعاطف المجرد أو الاختلاف الفكري، إلى ممارسة أفعال مادية أو معنوية مقصودة تسهم في إنشاء النشاط الإرهابي أو استمراره أو تمكينه.

ولا يجوز، في هذا السياق، الخلط بين الحاضنة الإرهابية وبين المجتمع أو العائلة أو البيئة الجغرافية أو الفكرية التي ينتمي إليها مرتكب الفعل؛ فالمسؤولية الجزائية شخصية، ولا تقوم إلا على فعل محدد تتوافر فيه أركان الجريمة وعناصرها القانونية والقصد الجرمي الذي يتطلبه النص.

وعليه، فإن المطلوب ليس تجريم الأفكار أو المعتقدات أو الآراء المجردة، وإنما تطوير النصوص التي تواجه صور التحريض المتعمد على ارتكاب الجرائم الإرهابية، والتجنيد، وتوفير الملاذات، وتسهيل الحركة والاتصال، وإخفاء المطلوبين أو الأدلة، وتقديم الدعم اللوجستي أو التقني، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة للمساءلة الجزائية.

فالحاضنة الإرهابية لا تُعرَف بالانتماء أو القرابة أو التعاطف، وإنما تُحدَّد بالأفعال التي تشكل، وفقاً للقانون، مساهمةً واعية ومقصودة في خدمة النشاط الإرهابي.

ثانياً: تجفيف منابع الإرهاب ضرورة توازي تجريم مرتكبيه

لا يمكن تصور مواجهة جادة للإرهاب دون تجفيف موارده المالية والاقتصادية، وتعطيل القنوات التي تتيح له جمع الأموال أو نقلها أو إخفاء مصدرها أو إعادة توظيفها في تنفيذ أغراضه الإجرامية.

فالإرهاب لا يحتاج إلى السلاح وحده؛ بل يحتاج إلى المال والوسائل التقنية وشبكات الاتصال والنقل والتمويل والتغطية. ولذلك ينبغي تعزيز التكامل بين قانون منع الإرهاب وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير الأحكام المتعلقة بتتبع الأموال والأصول ذات الصلة بالجرائم الإرهابية وتجميدها ومصادرتها، وفقاً للضمانات والإجراءات القضائية المقررة.

كما ينبغي أن تشمل المراجعة التشريعية صور التمويل غير المباشر، والتمويل عبر الوسائط الرقمية، واستغلال الكيانات التجارية أو الواجهات الوهمية، والقنوات المستحدثة لتحويل الأموال، مع مراعاة التمييز الدقيق بين النشاط المالي المشروع وبين السلوك الذي تتوافر فيه عناصر جريمة تمويل الإرهاب.

إن قطع الشريان المالي عن التنظيمات الإرهابية لا يقل أهمية عن ملاحقة عناصرها، بل قد يكون أكثر أثراً في تعطيل قدرتها على الاستمرار والتوسع وإعادة بناء قدراتها.

ثالثاً: ضرورة تطوير نطاق التجريم وصياغة أحكام تشريعية أكثر استباقية

إن المراجعة المطلوبة ينبغي ألا تقتصر على تعديل العقوبات أو تشديدها، وإنما يجب أن تمتد إلى إعادة تقييم نطاق التجريم ذاته، بحيث يستوعب الأنماط المستحدثة من النشاط الإرهابي، دون إخلال بمبدأ الشرعية الجزائية.

ومن الأحكام التي تستحق الدراسة التشريعية: وضع نصوص أكثر تحديداً لمواجهة إنشاء الكيانات أو الشبكات المخصصة لدعم الأنشطة الإرهابية، وتجريم التجنيد والتدريب والتسهيل المتعمد، وتطوير أحكام التعامل مع المواد والمعلومات والوسائل التقنية التي تُعدّ لأغراض إرهابية، ومواجهة استخدام المنصات الرقمية في إدارة النشاط الإرهابي أو تمويله أو التحريض المباشر على ارتكاب جرائمه.

كما تقتضي الضرورة تعزيز الأحكام المتعلقة بالمسؤولية الجزائية للأشخاص الاعتباريين متى ثبت ارتكاب الجرائم لحسابهم أو باسمهم أو لمصلحتهم، وفق ضوابط واضحة تمنع افتراض المسؤولية أو تحميل الكيانات تبعة أفعال لا تتوافر فيها شروط الإسناد القانوني.

والأهم من ذلك أن تكون النصوص الجديدة محددة الأفعال والأركان، واضحة القصد الجرمي، منضبطة في نطاقها، حتى لا تتحول مكافحة الإرهاب إلى عبارات فضفاضة تحتمل التوسع في التأويل أو التطبيق.

رابعاً: الوقاية التشريعية لا تنفصل عن ضمانات العدالة

إن قوة التشريع لا تُقاس فقط بقدرته على التجريم والعقاب، بل كذلك بقدرته على تحقيق التوازن بين حماية أمن الدولة والمجتمع وصيانة الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.

فلا مكافحة فاعلة للإرهاب خارج إطار سيادة القانون، ولا استقرار مستدام من دون عدالة جزائية تحترم قرينة البراءة، وشخصية المسؤولية، وحقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة.

ومن ثم، فإن أي توسع تشريعي في هذا المجال يجب أن يقترن بتحديد دقيق للأفعال المجرّمة، وضوابط موضوعية لإسناد المسؤولية، ورقابة قضائية فعالة على إجراءات التحقيق والتوقيف والتفتيش والتجميد والمصادرة، بما يضمن عدم الخلط بين العمل الإرهابي وبين ممارسة الحقوق الدستورية المشروعة.

خامساً: نحو استراتيجية تشريعية متكاملة

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من تعدد النصوص القانونية إلى تكاملها، ومن الاكتفاء بملاحقة الجريمة بعد وقوعها إلى بناء منظومة قادرة على كشف مقدماتها ومواجهة شبكات تمكينها، وتعطيل مواردها، ومنع إعادة إنتاجها.

وهذا يستدعي مراجعة قانون منع الإرهاب وتعديلاته في ضوء التطورات الإقليمية والدولية، والاستفادة من التجارب التشريعية المقارنة، وبخاصة التشريعات المصرية والإماراتية، دون استنساخ أحكامها، وإنما باختيار ما يتوافق مع خصوصية النظام الدستوري والقانوني الأردني، والالتزامات الدولية للمملكة.

إن المعركة مع الإرهاب لا تُحسم بملاحقة اليد التي نفذت الجريمة وحدها، وإنما بمواجهة العقل الذي خطط، والشبكة التي جنّدت، والجهة التي موّلت، والوسيط الذي سهّل، والكيان الذي وفّر الغطاء، متى ثبتت مسؤولية كل منهم وفق أحكام القانون.

فالتشريع الذي يلاحق الجريمة ولا يجفف منابعها يظلّ تشريعاً يواجه النتائج أكثر مما يواجه الأسباب. والأردن، بما يمتلكه من خبرة قضائية وأمنية ومؤسسية في مكافحة الإرهاب، مدعو إلى تطوير منظومته القانونية بما يجعلها أكثر شمولاً واستباقية وفاعلية.

إن حماية الدولة لا تتحقق بتوسيع التجريم على حساب الحقوق، وإنما بإحكام القانون على كل فعل يشكل اعتداءً على أمنها؛ فالحزم الحقيقي هو أن تكون يد العدالة حازمة في مواجهة الإرهاب، ومنضبطة في حماية القانون، لا تتجاوز حدوده ولا تتهاون في إنفاذ أحكامه.

*خبير الجرائم الإرهابية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :