عندما تتحول الفكرة إلى رخصة للقتل
م. فوزي مسعد
06-11-2026 05:16 PM
من أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يفقد قدرته على التمييز بين الخير والشر، ليس بسبب نقص في الذكاء أو التعليم، وإنما نتيجة قناعات أيديولوجية متطرفة تعيد تشكيل ضميره، حتى يصبح قتل إنسان بريء في نظره عملا مشروعا، وربما واجبا يستحق عليه الثواب.
فكيف يستطيع إنسان أن يقتل شخصا لا يعرفه، ولم يعتد عليه، ولا تربطه به أي عداوة شخصية؟ وكيف يستطيع أن يتجاوز أبسط المشاعر الإنسانية من رحمة وتعاطف واحترام للحياة؟
الإجابة قد تكمن في واحدة من أخطر الظواهر النفسية المرتبطة بالتطرف، وهي تعطيل الضمير الأخلاقي، حين تقنع الأيديولوجيا صاحبها بأن من يخالفه في الفكر أو الانتماء أو الوظيفة لم يعد إنسانا له حقوق ومشاعر وأسرة، بل أصبح مجرد رمز لعدو متخيل تجوز الاستغناء عنه.
وهنا تكمن خطورة العنف الأيديولوجي، فهو لا يحتاج بالضرورة إلى كراهية شخصية أو خلاف مباشر مع الضحية، بل يكفي أن يصنفها المعتدي ضمن فئة يعتقد أن استهدافها مباح.
والأكثر إثارة للقلق أن مرتكب هذا النوع من الجرائم قد يكون متعلما وذكيا ويمتلك قدرات عقلية عالية، لكنه يفتقر إلى التفكير النقدي والاستقلال الأخلاقي. فالتعليم يمنح الإنسان المعرفة، لكنه لا يضمن بالضرورة الحكمة أو الإنسانية أو الحصانة من غسل الدماغ والتطرف.
ومن المهم أيضا ألا نخلط بين التطرف والمرض النفسي. فليس كل متطرف مريضا نفسيا، وقد يرتكب الإنسان جريمته وهو مدرك تماما لأفعاله، لكنه يبررها لنفسه بمنظومة فكرية منحرفة.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بالإجراءات الأمنية والعقوبات وحدها، على أهميتها، بل تستدعي معالجة الجذور الفكرية والنفسية التي تنتج العنف، وتعزيز التفكير النقدي وقبول الاختلاف، وتطوير برامج حقيقية لإعادة التأهيل ومراجعة القناعات المتطرفة، مع تقييم مخاطر العودة إلى العنف.
إن أخطر ما في التطرف ليس أنه يعلم الإنسان كيف يكره الآخرين، بل أنه قد يقنعه بأن قتلهم فضيلة، وأن انعدام الرحمة موقف أخلاقي.
ولهذا فإن حماية المجتمع لا تبدأ فقط بمنع الجريمة، بل بمنع تحول الأفكار إلى مبررات لسلب الآخرين حقهم في الحياة.
فالمجتمع لا يكون آمنا بمجرد قدرته على مواجهة المجرمين، وإنما بقدرته أيضا على بناء إنسان لا يرى في الاختلاف مبررا للكراهية، ولا في الكراهية ترخيصا للقتل.