زلزالان في واشنطن وتل أبيب… متى يأتي زلزالنا؟
جمال زقوت
06-11-2026 05:17 PM
استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأميركية، وفق حسم السباقات الفاصلة، فيما يستمر الفرز في عدد من الدوائر. واتّسعت خسارة الجمهوريين إلى ولايات مثل تكساس وكنساس وآيوا، حيث انتزع الديمقراطيون مقاعد في الشيوخ. وجاءت النتيجة في انتخابات تصدّر فيها غلاء المعيشة اهتمامات الناخبين، فيما دخلت الحرب على إيران في حساباتهم من باب أسعار الوقود وأولويات الإنفاق. فهل تدفع خسارة الكونغرس ترامب إلى تسوية تنهي الحرب، أم يحاول استعادة المبادرة بالتصعيد؟
مع انعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني/يناير، سيخسر ترامب قدرة حزبه على التحكم بجدول أعمال المجلسين. وسيستطيع الديمقراطيون فتح تحقيقات في إدارة الحرب، ومساءلة المسؤولين عن أهدافها وكلفتها، وطرح قيود على تمويلها. وفي المقابل، يحتفظ الرئيس بحق النقض وبصلاحيات تنفيذية واسعة تتيح له المبادرة بضربات محدودة. وتزداد قدرة الكونغرس على التأثير إذا تحوّلت الضربات إلى حملة طويلة تحتاج إلى تمويل إضافي وغطاء سياسي مستمر.
فيما تكثّف قطر وساطتها، أفادت رويترز بأن القوات الأميركية قصفت مواقع للدفاع الجوي في جزيرة قشم الإيرانية، في ضربة وصفها مسؤول أميركي بأنها محدودة ودفاعية. ولا تزال التسوية بعيدة، وسط خلافات على حصار الموانئ الإيرانية وفتح مضيق هرمز والعقوبات وشروط استئناف المفاوضات النووية.
قد يلجأ ترامب إلى ضربات أخرى للضغط على طهران في ملف هرمز أو لصرف الأنظار عن خسارة الكونغرس. لكن اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار الوقود قد يعيدان كلفة الحرب إلى صدارة النقاش الأميركي. وتبدو الضربات المحدودة أرجح من قرار باستئناف حرب واسعة، وإن كان ردّ إيراني على قواعد أميركية أو على الملاحة في الخليج قد يوسّع المواجهة.
وقد يوظّف نتنياهو التصعيد لإعادة الأمن إلى صدارة النقاش في إسرائيل وتعزيز الدعوة إلى حكومة وحدة تتيح له البقاء، فيما يبقى قرار توسيع الحرب رهناً بحسابات واشنطن.
نتنياهو : من مأزق الأغلبية إلى الطعن في الشرعية
وفي إسرائيل، اتفقت القوى الرئيسية في المعارضة على ترشيح غادي آيزنكوت، لكنها بقيت منقسمة حول الاستناد إلى الأحزاب العربية التي حصدت 19 مقعداً. ويستفيد نتنياهو من هذا التناقض. فاستبعاد أصوات النواب العرب يضيّق الطريق أمام خصومه إلى أغلبية من 61 نائباً، وقد يطيل بقاءه على رأس حكومة تصريف الأعمال إذا تعذّر تشكيل ائتلاف.
وبتشكيكه في نتيجة الاقتراع، يدفع نتنياهو بالصراع من معركة تشكيل الحكومة إلى الطعن في شرعية المؤسسات التي تدير انتقال السلطة. فرغم إعلان لجنة الانتخابات أنها لم تجد تزويراً، يتيح التشكيك لليمين المتطرف تصوير أغلبية تستند إلى أصوات النواب العرب كأنها اغتصاب للحكم. وهنا وجه الشبه مع مقدمات اقتحام الكابيتول في السادس من كانون الثاني/يناير 2021. فالطعن في الصندوق يهيّئ لتعبئة الشارع ضد المؤسسات التي تحتكم إليه. وقد يحقق التحريض غرضه قبل أن يبلغ حدّ الاقتحام، إذا دفع خصوم نتنياهو إلى التراجع عن الاستناد إلى الأصوات العربية.
الغطاء الأميركي لإسرائيل أمام اختبار الكونغرس
وفي يوم الاقتراع الأميركي، قال ترامب إن التمويل العسكري السنوي لإسرائيل سيتوقف بنهاية 2026، وإنها ستظل قادرة على شراء السلاح الأميركي. ولم يوضح آلية التنفيذ، فيما تمتد مذكرة التفاهم القائمة إلى أيلول/سبتمبر 2028. وقد ربط ترامب إعلانه بالانتقادات التي يثيرها تمويل إسرائيل، فيما طالب آيزنكوت نتنياهو بتفسيره، واضعاً علاقته بالرئيس الأميركي موضع مساءلة داخلية. وحتى إذا نُفّذ الإعلان، تبقى مبيعات السلاح والغطاء الدبلوماسي مسارين تستطيع إدارة ترامب مواصلتهما، وإن بات التمويل والتسليح عرضة لرقابة أشدّ في الكونغرس.
ولدى الديمقراطيين ما يشير إلى تحوّل سبق الانتخابات. ففي نيسان/أبريل، أيّد 40 عضواً في مجلس الشيوخ المضي في إجراء يستهدف وقف صفقة جرافات عسكرية لإسرائيل، وأيّد 36 إجراءً مماثلاً بشأن صفقة قنابل زنة ألف رطل. وفشلت المحاولتان. ومع انتقال رئاسة اللجان إلى الديمقراطيين، يمكن أن ينتقل هذا الخلاف إلى جلسات الرقابة ونصوص الموازنة وشروط التسليح. وفلسطينياً، سيُقاس التحول باستعدادهم لاستخدام هذه الصلاحيات. فقد واصلت واشنطن، في عهد بايدن، تسليح إسرائيل وتوفير الحماية السياسية لها خلال الإبادة في غزة. وسيكون الاختبار في التصويت على وقف شحنة بعينها أو فرض شرط ملزم على التمويل.
خسر ترامب أغلبية كانت تسهّل عليه تمويل خياراته، فيما يراهن نتنياهو على عجز خصومه عن تشكيل أغلبية تقبل بالشراكة مع العرب. وقد يدفع المأزقان الرجلين إلى رفع منسوب التصعيد، لكن حسابات البقاء في واشنطن وتل أبيب قد تفترق. فما قد يراه نتنياهو فرصة لإطالة بقائه في الحكم، قد يراه ترامب حرباً يدفع الأميركيون كلفتها مرة أخرى، في مواجهة كونغرس يملك الآن أدوات أقوى لمساءلته.
وأخيرًا، هل يُحدث زلزالا الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة تحولاً في موقع القضية الفلسطينية؟ لقد كشف الأول أن أصوات الفلسطينيين في إسرائيل قادرة على ترجيح كفة الحكم، وأتاح الثاني فرصة لمساءلة واشنطن عن تسليح إسرائيل وحمايتها سياسياً. لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب وطنية يتوقف، قبل كل شيء، على زلزال فلسطيني يعيد ترتيب بيتنا السياسي، وينهي الانقسام، ويستعيد الشعب دوره في تقرير وجهة مشروعه الوطني. فهل نملك الإرادة لإحداث هذا الزلزال واستثمار التحولات الجارية في العالم، أم نبقى ننتظر ما تسفر عنه انتخابات الآخرين؟