استشهاد السلايطة .. حين يستهدف الفكر الإرهابي حماة الوطن
سامي ابو خرمه
07-11-2026 07:07 PM
لا تقف خطورة الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة العريف جواد علي خلف السلايطة عند حدود الاعتداء الذي وقع في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان، ولا عند الطريقة التي نُفذت بها الجريمة، بل تمتد إلى ما تكشفه من خطورة الفكر المتطرف عندما ينتقل من دائرة الاعتقاد والتحريض إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ، ويضع رجال الأمن في دائرة الاستهداف المباشر، في محاولة للنيل من المؤسسة التي تشكل أحد أعمدة حماية الدولة وصون أمن المجتمع.
وتزداد أبعاد الحادثة أهمية عند النظر إلى خلفية منفذ الاعتداء، وما كشفته المعلومات المنشورة عن ارتباطه بقضية إرهابية سابقة، الأمر الذي يفتح نقاشاً يتجاوز تفاصيل الجريمة ذاتها إلى أسئلة تتعلق بمسارات التطرف، وإعادة تأهيل أصحاب الفكر المتشدد، ومدى القدرة على منع عودة من تورطوا في قضايا إرهابية إلى تبني السلوك العنيف وممارسة الاعتداءات.
فالمعلومات المتعلقة بالسجل القضائي للمنفذ تشير إلى إدانته عام 2022 في قضية تضمنت التخطيط لاستهداف مركز أمني في محافظة إربد، والترويج لأفكار تنظيم إرهابي ومحاولة الالتحاق به، وصدر بحقه حكم بالأشغال المؤقتة لمدة تسع سنوات، وتعيد هذه الخلفية طرح تساؤلات مهمة حول الظروف التي سبقت تنفيذ الاعتداء الأخير، وملابسات الإفراج عنه، ومدى خضوعه للمتابعة وبرامج التأهيل، وهي مسائل تتطلب إجابات تستند إلى الوثائق الرسمية والتحقيقات المختصة، لا إلى الاستنتاجات المسبقة.
وتكشف هذه المعطيات أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على إحباط المخططات قبل تنفيذها أو التعامل مع مرتكبيها بعد وقوع الجرائم، وإنما تتطلب منظومة متكاملة تبدأ برصد التحولات الفكرية الخطرة، وتستمر خلال مراحل الاحتجاز والتأهيل وإعادة الإدماج، وصولاً إلى تقييم المخاطر المحتملة بعد الإفراج، وفقاً للقانون والإجراءات المعتمدة.
وفي تفاصيل الاعتداء، فإن مباغتة العريف السلايطة أثناء وجوده في موقع واجبه الرسمي، ثم تدخل الدورية الأمنية والاشتباك مع المعتدي وإلقاء القبض عليه، تعكس طبيعة الخطر الذي واجهه رجال الأمن خلال الحادثة، كما أن إصابة ضابط الدورية أثناء التعامل مع المنفذ تؤكد أن الاعتداء لم يكن موجهاً إلى فرد واحد فحسب، بل وضع أكثر من رجل أمن أمام تهديد مباشر.
ولا يمكن فصل هذه الجريمة عن السياق الأمني الذي يمر به الأردن، خصوصاً في ظل الاعتداء الإرهابي الذي شهدته محافظة الكرك قبل أيام، وما أعقبه من إجراءات أمنية وتحركات لملاحقة المتورطين في أنشطة التنظيمات الإرهابية، ومع اختلاف تفاصيل الحادثتين، فإن تتابعهما يعيد التأكيد على أن خطر الفكر المتطرف لا يرتبط بمكان محدد أو أسلوب واحد، وأن التعامل معه يحتاج إلى يقظة مستمرة وتنسيق بين المؤسسات الأمنية والفكرية والتربوية والمجتمعية.
ومن هنا، فإن استهداف رجال الأمن يحمل دلالة تتجاوز الاعتداء الجسدي؛ فرجل الأمن الموجود في موقع عمله يمثل حضور الدولة في حماية المواطنين والممتلكات والمنشآت، والاعتداء عليه أثناء أداء واجبه محاولة للمساس بهذه الوظيفة، وخلق حالة من الخوف والارتباك في المجتمع، لكن نجاح الأجهزة الأمنية في السيطرة على المعتدي وإلقاء القبض عليه يحول دون تحقيق هذه الغاية، ويؤكد أهمية سرعة الاستجابة والجاهزية الميدانية في مواجهة التهديدات المفاجئة.
وفي المقابل، تفرض الحادثة ضرورة مواصلة مراجعة إجراءات حماية المواقع الأمنية، وتقييم طبيعة المخاطر التي قد يتعرض لها المنتسبون أثناء تأدية مهامهم، وتعزيز قدراتهم على التعامل مع الاعتداءات المباغتة، إلى جانب توفير الحماية والدعم اللازمين لرجال الأمن الذين يواجهون مخاطر ميدانية يومية في سبيل أداء واجباتهم.
أما على المستوى المجتمعي، فإن مواجهة التطرف لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها؛ فالمدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسات الدينية والإعلامية جميعها معنية بتعزيز الوعي، ومواجهة خطاب الكراهية والتكفير، والتصدي للأفكار التي تبرر العنف أو تمنح مرتكبيه غطاءً أيديولوجياً، فالجريمة التي تبدأ بفكرة متطرفة قد تنتهي بفقدان حياة إنسان، ما يجعل الوقاية الفكرية ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن الإجراءات الأمنية.
ويبقى الجانب القضائي في هذه القضية أساسياً، من خلال استكمال التحقيقات وكشف جميع الظروف والملابسات المحيطة بالاعتداء، والتحقق من وجود أي أطراف أخرى أو روابط تنظيمية أو مصادر دعم وتحريض، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق أحكام القانون، كما أن الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالخلفية القضائية السابقة للمنفذ وملابسات عودته إلى تنفيذ نشاط إرهابي تمثل جانباً مهماً في فهم القضية واستخلاص الدروس منها.
إن استشهاد العريف جواد السلايطة يضع الأردنيين أمام حقيقة مؤلمة تتعلق بحجم التضحيات التي يقدمها رجال الأمن في سبيل حماية الوطن، ويعيد التذكير بأن الاستقرار الذي ينعم به المجتمع ليس أمراً عابراً أو مضموناً دون كلفة، بل تقف خلفه مؤسسات وأفراد يؤدون واجباتهم في مختلف الظروف، وقد يدفعون حياتهم ثمناً لذلك.
وفي المحصلة، فإن الرد على هذه الجريمة لا يكون بالإدانة وحدها، ولا بالتعامل معها باعتبارها حادثة انتهت بإلقاء القبض على منفذها، بل بتحويلها إلى محطة لمراجعة مسارات الوقاية من التطرف، وتعزيز منظومة الحماية الأمنية، ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة، وكشف كل ما يتصل بها من حقائق.
لقد استشهد السلايطة وهو يؤدي واجبه، لكن الجريمة التي أودت بحياته لن تنال من ثقة الأردنيين بمؤسساتهم أو من تماسكهم في مواجهة الإرهاب.
وسيبقى الوفاء لتضحيات رجال الأمن مسؤولية تتجسد في حماية الوطن، وصون وحدته، ومواجهة كل فكر يسعى إلى تحويل الكراهية إلى عنف، والتطرف إلى جريمة.