facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




آراء أهل المدينة البائسة


سامر حيدر المجالي
26-03-2008 02:00 AM

واحد منا من البؤس نصيب وحالات نفسية متعلقة به ، منها ما هو نتيجة الجهل ومنها ما هو نتيجة الطيش ، وأهمها ما هو نتيجة الظلم والقهر والعدوان ، كأن يحس الإنسان أنه متجرد من إحساسه محجور على عقله خاضع لوصاية تطال كل ناحية من نواحي حياته .

عند فكتور هوجو تخضع المجتمعات البائسة لعمليات منظمة هدفها نشر الجهل والظلامية بين صفوف الناس كبيرهم وصغيرهم .. رجالهم ونسائهم . وتستهدف هذه العمليات أول ما تستهدف فئة الأطفال واليافعين ، الذين هم روح المجتمعات وعدة مستقبلها .

تذكرت هذا الكلام وأنا اقرأ تقريرا للبنك الدولي يقول أن التعليم في مدارس الشرق الأوسط ينتج مزيجا خاطئا من القدرات ، مزيجا غير مرتبط بالتقدم وروح العولمة . ولم ينج من هذا التقرير – بشكل نسبي – إلا أربع دول هي الأردن والكويت وتونس ولبنان .

الإنسان بما هو قيمة عليا في هذا الوجود ، اكتسب قيمته الاستثنائية من قدرته على أن يتعلم وأن يكوِّن صورا ذهنية مجردة وآراء ومواقف تعبر عن وجوده وشخصيته ، بهذا استحق أن تسجد الملائكة له وأن يكون خليفة الله على سطح البسيطة .

فشخصية الإنسان ورأيه صنوان لا يفترقان ، بل إن الرأي مقدم على كثير من فضائله الأخرى ، مصداقا لقول الشاعر :

الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني

وهل للإنسان ميزة في هذا الوجود إلا عقله ، وهل وظيفة عقله إلا أن يدرس ويحلل ويمحص ثم يكون رأيا وموقفا من كل كبيرة وصغيرة حوله في الوجود .

هذا مذهب أهل الدين وأهل الفلسفة والعلوم ، كل يحض على إعمال العقل وسبر أغوار الواقع ، حسا وتعلما ، سمعا وبصرا وفؤادا ، في طريق تراكمي بدأ منذ آدم ولن يقف إلا عندما تشرق الشمس من مغربها .

الدين يأمر بذلك ، وحسبنا ما قال الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام عندما سأل معاذ بن جبل عن ما يفعل في بعثته إلى أهل اليمن إن لم يجد دليلا من كتاب أو سنة ، فقال معاذ : أجتهد برأيي ولا آلو ، عندها حمد الرسول ربه وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي الله ورسوله .

وعند الفلاسفة يأخذ الرأي مكانة متميزة كذلك ، ففي حديثه عن " آراء " أهل " المدينة الفاضلة " يبدو الحكيم الثاني غاية في الذكاء والفطنة ، وهو من خلال العنوان يربط بين الرأي والفضيلة ويقابل بينهما في صيغة تبدو شبه شرطية ، فما دام للإنسان في محيطه الذي يعيش فيه رأي وموقف ، فان طريق الفضيلة سالك ومنبت الإنسانية جزل ريان . وان حيل بينه وبين تكوين رأيه وسلب القدرة على التفكر والإبصار انعدمت الفضيلة وحل مكانها الفساد والخراب . ولنلاحظ هنا أننا نتحدث عن آراء ( بصيغة الجمع ) وليس عن رأي ( بصيغة المفرد ) ، وهي إشارة واضحة إلى التعددية والاختلاف ، وضرورة أن تنأى المجتمعات التي ترنو إلى الفضيلة بنفسها عن الوقوع في إسار رأي واحد ووجهة نظر مقيدة .

والرأي لغة مشتق من الرؤية التي هي أحد الحواس الخمس المعروفة وباب رئيسي من أبواب تغذية الذهن بالمعلومات . هذه المعلومات تتم غربلتها وتنقيحها ومقارنتها بالعلوم المكتسبة والخبرات المتراكمة لتصبح بالنتيجة حقائق ذهنية مجردة ، هي البصيرة .. أي الملكة الإنسانية التي نكون من خلالها موقفا حرا منبعه الفكر الخالص ورافده الإحساس المتوقد .

فالرؤية إحساس وتجميع ، والبصيرة إدراك وتجريد ، وكلاهما مرتبط بالآخر لا يستغني عنه بأي حال من الأحوال ، غير أن بينهما فرقا كبيرا ، هو الذي بينه علماء التفسير في شرح الفرق بين رؤية الله تعالى يوم القيامة وإبصاره ، فقد أثبتوا الرؤية ونفوا الأبصار لأن الله سبحانه وتعالى " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " . غير أنه يمكننا النظر إليه ورؤيته بدليل قوله تعالى " وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة " .

فإذا ما انقطعت الصلة بين الإحساس والذهن ، أو غدت الحواس تصب عصارتها في أذهان معطلة خالية من نور العلم والمعرفة والقدرة على استخلاص النتائج ، إذا حصل هذا ضاع الرأي ودخل العقل في سبات عميق ، وغابت الفضيلة وانتشر البؤس والشقاء .

هذا هو الذي يحدث في أكثر الأزمنة وعلى امتداد المساحات الشاسعة من كوكبنا الأرضي ، انه احتكار الرأي وتوجيه الخلق توجيها أبويا صارما ، يطال فيه الويل والثبور كل من يحاول أن ينأى بإحساسه وفكره عن الوصاية والتبعية ويبني عالمه الفاضل مستقلا متمتعا بما وهبه الله من عقل وقدرة على التفكير .

ألا تحسون أن النظرية الفرعونية ما زالت حية وجذابة وان اختلف أسلوب الخطاب فقط وتنوعت آليات السيطرة ، فقد خاطب فرعون قومه قائلا : " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " ، و فرعون هذا هو نفسه الذي وصفه القرآن الكريم في مكان آخر بقوله : " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم ، انه كان من المفسدين " .

انه مقابلة واضحة بين الحجر على عقول العباد والإفساد في الأرض .

تواريخ متعددة من التعتيم والتشويه ، والحريات المفقودة والأفواه المكممة والقهر والعسف والتزوير الإعلامي ، تتشابه جميعها في أهدافها وشخوصها ، ويختلف فيها فقط معطيات الزمان والمكان ودرجة الإفساد .

خلاصة القول : حيثما وجدت مدينة آراء أهلها مكبوتة فاعلم أن هذه المدينة مدينة بائسة ، وكلما وجدت نفسك خاضعا للون واحد من الحقائق ووجدت عقلك قاصرا عن تكوين موقف مستقل عن ما يحيط بك ، فاعلم انك أنت نفسك شخص بائس .

قد يكون لهذا الحديث بقية ، اعتمادا على ما سيلاقيه هذا الكلام من بؤس وشقاء .

samhm111@hotmail.com





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :