قراءة في رواية "في بلاد الرجال" لهشام مطر
07-04-2007 03:00 AM
عمون - ذكريات حرب
من عالمه التوتي، وأصابع السمسم، ومطعم آل كالزوني، وحساء البنجر، وحلوى النعناع الانجليزي، وشهرزاد التي فضلت العبودية على الموت، وسهام بشعرها الكستنائي وشفتيها اللدنتين العذريتين، ووالدته التي تلتهم السجاير، وتكرع القنينة التي يمدها بها الخباز مجدي كلما غاب والده عنهما، ورجال اللجنة الثورية، وزيارات فجائية. أطل هشام مطر عبر روايته "في بلاد الرجال" على طفولته المتجذرة في ذاكرته، وأعوامه التسعة في ليبيا، وابتعاده القسري، ليستقصي الخواء الذي يحاول جاهدا ادراك كنهه، ويبتعد عن الجنون الذي ترعرع فيه، ورائحة الخيانة التي مازال يعيشها...في سيرته الذاتية التي رشحت للفوز بجائزة بوكر الأدبية لعام 2006 والتي صدرت عن دار المنى، يستحضر مطر عالمه بدهشة قلقة، فيها الكثير من التوغل التوصيفي مبتعدا عن الثرثرة الساذجة، ومستعرضا تجربته بتناقضاتها الانسانية، ومفاهيمها الثنائية: الحب والكره، الجنة والنار، الحياة والموت، الشجاعة والجبن، الانتماء واللاانتماء، الوطن والغربة، الحقيقة والحلم... فتجد نفسك مشاركا اياه طفولتك..."بدأت أتخيل ملائكة فتية مفعمة بالحياة، تتآمر لزرع محصول فيها من تربة الأرض بعد أن سمعت أن آدم وحواء سيطردان الى الأرض عقابا لهما، كان الله يعلم بالطبع، وترك الملائكة تنفذ خطتهما...". وفي لحظة اعتراف ذاتي..." عندما يأتي يوم الحساب، عندما يكشف المستور سيظهر قلبك أجوفا وقاسيا، كحبة كستناء متعفنة، وستكون أعمالك كلها مفضوحة في عالم الأبدية، ولن تشعر قط بذلك الوهج الدافىء الغامض يؤجج فلبك، ذلك الوهج الذي يسمى الصلاح..."... تداعيات نعيشها في طفولتنا، وأسرار تستوطننا حين نقف أمام الكون وتلافيفه الغريبة الدقيقة...
وفي سرد مثير، يأخذنا "سلومة" كما كان يحب أن تناديه والدته الى سنينه الأولى، كاشفا علاقته الأسرية المضطربة بينه ووالدته التي لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة عندما أرغمتها عائلتها بالزواج من والده المترأس لحزب سياسي، ويصبح فيما بعد معتقلا لا يجد الكثير مما كان يحلم به. أما والدته التي دفعت ثمن لقائها الطفولي مع الشاب الايطالي، فما انفكت تقص على ولدها قصة زواجها وأخيها الشاعر وجدها واختها، وليلة الدخلة التي تقول فيها:"بقيت متوعكة لعدة أيام، والحبوب العقيمة لم تؤت مفعولها، فبالرغم من أنني تناولت الكثير منها، لفظها جسمي مع القيء، وبعد تسعة أشهر أنجبتك..."لنستدرك أن العلاقة بين والديه كان لها الأثر في تفتح وعيه وتحمل مسؤولية أمه، لا سيما عندما يغادرهما والده لأجل عمله السياسي الذي كان له الحضور الطاغي في تنشئة مطر من جهة، وحميمية العلاقة مع والدته،مما جعله يرى في نفسه الفارس الذي يريد انقاذ تلك الفتاة وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وزواجها التعس، وحزنها على ماآلت اليه، لذلك كان لا يفارقها ولا يبتعد عنها طالما والده ليس موجودا ..." وفي بعض الصباحات الشتوية، وعندما تلتحف السماء بظلمة عنيدة، كنت أتسلل الى سريرها البديل، وأنا بكامل ملابسي المدرسية، ثم أتقوقع في التجويف الذي خلّفته في الملاءات وأتساءل وربطة عنقي تضغط على رقبتي، والدفء يسري في خدّي من وسادتها، كيف للفردوس أن يكون شيئا مختلفا عن هذا.". لكن علاقتهما تشوب فيما بعد، عندما تقرر سفره الى مصر إثر اعتقال والده."كم كرهت تداعي ثقتها بنفسها مع مرور الوقت، وكيف راحت تتطلع الى الماضي، حانية ظهرها أمامه ندما، أردتها أن تستعيد قناعاتها السابقة، بما في ذلك قناعتها الفولاذية القاسية التي جعلتها تسفّرني بعيدا رغما عن تحفظات زوجها وتوسلات ابنها الوحبد..." موضحا في الوقت نفسه ارتباطه المعنوي مع والده الذي فضّل الموت على العبودية رافضا العيش تحت السيف كما كانت والدته تحدثه عن شهرزاد.
هشام مطر المقيم حاليا في لندن، ويعكف على كتابة روايته الثانية، يسطر معاناة الشعب الليبي في سبعينيات القرن المنصرم، من خلال علاقاته الاجتماعية من جهته مثل أصدقاء طفولته: عدنان ومسعود وكريم، ودار "أبو مسعود" الذي كان سببا في الافراج عن والده، والسياسية من جهة والده مثل: موسى وناصر واستاذ رشيد الذي أُعدم على الملأ بسبب رفضه للنظام، مرورا بمشاهد الاعدامات، وتفتيش المنازل، والاعتقالات المباغتة، والكتب السياسية التي حرقت، والمناشير التي وزعت سريا، ووالده الذي أحس بانكساره ، ففضل أن يزاول مهنته الأبوية فقط فيما بعد، وسحوبات المصارف الفردية التي حددت بألف دينار سنويا فقط، ومراقبة الهواتف، ومنع السفر، لتأتي أحداث " في بلاد الرجال" مشحونة بالهم السياسي والاجتماعي وأثرهما في عالم البراءة الذي عاشه مطر، عندما حاول مساعدة والده بمفهومه، ليدرك بعد ذلك أن ما قام به يندرج تحت كلمة "الخيانة" مقارنة بتصرفات صديقه كريم الذي تزوج فيما بعد سهام تلك التي وقفت أمامه يوما بشعرها الكستنائي...لذلك يقول:" ينتابني دوما الشعور بالغياب، غياب دائم الحضور، كيتيم غير متيقن اذا كان قد خسر أو كسب من فقدانه القسري..."
لقد كانت الرواية تقييما للحدث السياسي في تلك الفترة، مليئة بالحقائق السياسية، عاكسة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وبلغة فيها الكثير من التلقائية السلسة والسهل الممتنع، مما يجعلك مأخوذا في الحالة التي أراد مطر أن ينقلك اليها عندما كان في التاسعة من عمره.0