في رثاء الشيخ محمد محيلان .. بقلم : د.منى محمد محيلان
11-03-2009 12:36 AM
( ربّ اغفر لي ولوالدي ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا)
قديما قالوا : كلّ فتاة بأبيها معجبة، نعم ولكنّ الإعجاب بوالدي امتد ليشمل كلّ من عرفه عن قرب، والتمس حلو معشره، وحكمة حديثه، وسعة أفقه، وإنسانية قضائه، وسأعرض جوانب منها.
1- كان بعضهم إذا ذكر المرأة في حضرته يقول: الحرمة أجلكم الله. فيغضب ويسأل المتحدّث: حين تذكر سيدنا أبا بكر بم تدعو له؟ فيجيب المتحدث: برضي الله عنه. ثم يسأله: وحين تذكر ابنته عائشة زوج رسول الله - عليه السلام - بم تدعو لها؟ فيجيب المتحدث: برضي الله عنها. فيقول له: هذا أدب ذكر المرأة، بتقديرها والدعاء لها.
2- أدرك - رحمه الله – أن الطلاق تشريع ربانيّ وليس وزرا اجتماعيا تحمله المرأة، فكان يقول لمن يلمز بالطلاق: إن هذا التشريع من أهم الخصائص التي اتسع بها الإسلام، وقصّرت عنها الشرائع الأخرى، وهو أحد مظاهر الرأفة والرحمة بالبشر ذكرا كان أو أنثى، لا يعاب عليه كما الإفطار لا يعاب على الصائم المريض، وكما الزكاة لا تعاب على آخذها.
3- وحين يتغنّون بالكلام عن حقوق المرأة وتعليمها، لم ينظّر ولم يعقد الندوات، ولكنه قبل سبع وثلاثين سنة صحبني بنفسه إلى الجامعة الأردنية، وهو الأزهري المعمّم وسجّلني فيها، وهمس لي: أسجلك الآن طالبة، وأتمنى على الله أن يأتي يوم أراك أستاذة فيها، في الوقت الذي ما زال فيه بعض الآباء ممن يدّعون التقدمية والمعاصرة يعتبرون تعليم البنت مالا مهدورا، أو استثمارا جدواه الاقتصادية لغيرهم من الرجال، وها نحن اليوم اثنتان من بناته أستاذتان في الجامعة الأردنية إضافة إلى شقيقيّ الأستاذين. وكان - رحمه الله - يوجهنا بقوله: الأستاذ قاض في مهنته، وآداب المعلمين هي آداب القضاة.
4- وحين اشترط بعض الآباء في عقود زواج بناتهن ممن جايلنني عمرا مصاغا وأثاثا اشترط في عقد زواجي أنا وشقيقاتي أن لايجبرها الزوج على العمل ولا يجبرها على تركه، وأن يسمح لها الزوج بمواصلة تعلّمها إلى الدرجة الجامعية التي ترغب فيها، علما أنه تكفّل بتعليم بناته الخمس على نفقته الخاصة حتى درجة الماجستير في تخصصها. آخذا بالحديث الشريف من كانت له ابنة، فأدّبها فأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، إلا كانت له منعة وسترا من النار رواه ابن ماجه.
5- كان يَنُظر إلى مهنته على أنها خدمة يؤديها للناس، لاتشريف لصاحبها، فكم سمعته يردد معتزا: خدمت في إربد وخدمت في الخليل وخدمت في عمان، وهو منظور للعمل غائب عن كثيرين، وقد كان لخدمته في ضفتي الأردن: الشرقية والغربية قيمة في اتساع أفقه ومحو أي نزعة إقليمية وهي بغيضة، وأشد بغضا إن اتصف بها _ لا سمح الله قاض -، وكان يحث أحفاده ممن ترتدّ أصولهم البعيدة إلى يعبد/ جنين على ضرورة الاعتزاز بأصولهم، وكم حدّثهم عن الشيخ عز الدين القسام وقصة استشهاده في يعبد.
6- في مطلع الثمانينات حضرت بعض النساء من أعضاء لجان المرأة ومن الإعلاميات والتربويات، وقدمن أنفسهن على أنهن مناصرات لحقوق المرأة، وأنهن يرغبن في تعديل سن الحضانة الى عشر سنوات، فضحك وأدرك أنهن لم يطّلعن على تعديلات قانون الأحوال الشخصية رقم 61 لسنة 1976 ، فسألهن وهل ترغبن في خفض سن الحضانة؟ فذهلن وأجبن: بل مضاعفته إلى عشر أو اثنتي عشرة سنة. فقال بسعة صدر: يا بناتي، نحن عدّلنا القانون منذ سنة 1976 لما يحقق مصلحة المحضون، وليس انحيازا للأب أو الأم. وما زلت أذكر مخاض تعديلات هذا القانون وولادته، فقد كان وهو القاضي يلحظ بعين الأب الحنون والإنسان العطوف بعض الحالات، ممن تطلب تمديد حضانتها لابنها المقعد مع تنازلها عن الحقوق المادية مقابل رعايتها لابنها. وكم كان يؤلمه أن تجبر المرأة بطريقة بوليسية مهينة لها ولأسرتها على العودة إلى بيت الزوجية، فكان ساعيا بشدة إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية خاصة المواد المتعلقة بالطلاق البائن بينونة كبرى والحضانة والنفقة.
7- ومعلوم أن المادة 182 في قانون الأحوال الشخصية رقم 61 لسنة 1976 المتعلقة بالوصية الواجبة هي من المواد التي أخذ بها بعد تعديلات القانون، وفيها أعطي الأحفاد مقدار حصة أبيهم من الميراث فيما لو كان حيا على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة، وكثيرا ما سمعته يردد - رحمه الله -: لقد بقيت هذه المادة مبتورة، وكم تمنّى لو أن المادة استكملت بحيث يعطى الأحفاد مقدار حصة أبيهم أو أمهم من الميراث...
8- كان - رحمه الله - لا يألو جهدا في التسهيل على المواطنين فعمل على طباعة نماذج رسمية للحجج والتوثيقات الشرعية يضع فيها صاحب العلاقة بياناته اللازمة، ثم تأخذ الإجراءات اللازمة من رسوم وطوابع وتواقيع؛ فتصير حجة قطعية على ما نظمت لأجله سندا للمادة 75 من قانون أصول المحاكمات الشرعية. كما عمل على تطوير مهنة القضاء وفق أحدث معطيات التكنولوجيا المعاصرة فأدخل الحاسوب في المحاكم الشرعية تسهيلا وتسريعا للعمل، وثبّت أرقام هواتفه الرسمية والشخصية على لوحة بارزة في المحاكم؛ ليسهل على مراجعيها التواصل معه فيما يعرف اليوم بالخط الساخن.
9- فيما يتعلق بالنفقة. وسعيه فيها يكشف سعة أفق، وإنسانية عظيمة، فكم كان يؤلمه أن تنتهي حياة امرأة رافقت زوجها عشرات السنين بقوله: أنت طالق؛ فترتدّ المرأة مضيّعة الشباب لا فرصة أخرى لها في سوق الزواج، أو خاوية الوفاض من مال كسبته خلال سنوات عملها إن كانت عاملة، صفر اليدين من بيت وضعت فيه جلّ عمرها ومالها، أو أنهكت يداها فما عادتا صالحتين لكسب مهنة أو حرفة، فكان -رحمه الله - من أكثر الناس رفضا لأحكام نفقة المطلقة على ما هي عليه حتى اليوم، وكان يقول إن كان ولا بد من الطلاق فيجب أن تحفظ للمرأة كرامتها، ولنا في قانون التقاعد والضمان الاجتماعي أسوة حسنة، فإذا عمل الإنسان في مؤسسة ما فإنه يتقاضى بعد انتهاء خدمته تعويضا أو تقاعدا أو ضمانا اجتماعيا، ومن أولى بالحماية والرعاية من المرأة وهي الأم أو الأخت أو البنت حين ترتد إلينا مطلقة؟؟! أليس الأكرم لنا ولها أن تتغير مواد النفقة في قانون الأحوال الشخصية بحيث تبدأ بثلاثة أشهر إن لم يمض على الزواج سنة، وتنتهي بإنفاق الزوج مدى الحياة إن أقامت في بيت الزوجية ما يتجاوز الخمس عشرة سنة؟؟!
وبعد،
فهذه جوانب من حياة والدي القاضي الإنسان.
والسلام عليه يوم ولد في هذه الأرض الطيبة المباركة.
والسلام عليه يوم توفي قاضيا نزيها عفيفا جريئا لايخشى في الحق لومة لائم، أبا معلما، اتسع فصار بحجم الوطن خدمة في مدنه وقراه وبواديه.
والسلام عليه حين يبعث حيا عند الله راضيا مرضيا عنه في جناته.