كورونا الان! تابع اخر الاحداث والاخبار حول فيروس كورونا اقرأ المزيد ... كورونا الأردن
facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





يزن .. حين تدفع الطفولة ثمن الاخفاق


سامر حيدر المجالي
21-04-2009 03:31 PM

إذا كان يزن ، الطفل الغض في ربيعه الخامس ، قد فقد حياته معذبا منكلا به ، طريح سكتة دماغية أعقبت عددا هائلا من الكدمات وحروق أعقاب السجائر التي لم ترحم جسده الطاهر ، فأحرى بالمجتمع كله أن يدرك حجم الهوة التي يتردى فيها وفداحة الخطب الذي أصابه .. الخطب الذي تؤيده شواهد متتابعة ، ليس يزن أولها ولن يكون آخرها .

العجيب ، وهذا طبيعي على كل حال ، أن المذاهب الشتى في تفسير الذي جرى ، وسوف يجري ، تلتقي في خاتمة المطاف ، فتحمل الوزر وذنب العنف المتصاعد بمعدلات جنونية ، للظروف الاقتصادية وشح الموارد وانكماش الدخل في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد معدلات الاستهلاك . هذا الكلام ليس خاطئا البتة وهو يبدو منطقيا إلى ابعد حد ، وقد يرضي أدمغتنا التي ركبها الوهن وذهب بها الجبن والخور كل مذهب ، لكنه في نهاية المطاف لا يقدم سوى وصف رقيق ناعم الحواشي للذي يجري ، مبتعدا طوعا أو كرها عن بيت القصيد ، وعن ورود المورد الصعب ، الذي عنده قد ندرك بعضا مما يجري لنا ، أفرادا وجماعات .

لا تبتعد قضية يزن بحال من الأحوال عما نشاهده من ارتفاع في معدلات الجرائم ، القتل والانتحار والسرقة والفساد وعنف الجامعات وضراوة الخلافات العائلية والعشائرية قبيل مواسم الانتخابات أو بعدها ، وفقدان الضبط والسيطرة ، وتكفير الآخرين واحتكار الحقيقة ، واختزال مفهوم الوطنية في شعار أو أغنية أو دبكة ، وعنف الملاعب ، وتقوقع الطوائف والجماعات وراء شعارات بالية وكلام كبير ، بالاضافة – وهو قد يكون الأهم – الى فقدان البوصلة وتفكك الهرم الاجتماعي والسياسي الذي أفرز حالة أشبه ما تكون بمرض تعدد الشخصيات ، حيث لا ترتبط الأشياء بقيمتها الموضوعية ، وإنما تخضع خضوعا مطلقا لحسابات الربح والخسارة ، وترتبط بمعايير الغلبة وعزة الإثم ، والابتعاد في أحيان كثيرة عن الشر قدر ما يكون إلى ذلك استطاعة .

سأزعم على مسؤوليتي الشخصية أن المواطن العربي هو أكثر أصناف البشر كبتا وتحملا ، وأقل الناس علما بالذي يحدث له في داخله نتيجة هذا الصبر والتحمل . يكبت على مستويين .. مستوى يعرفه الجميع تسببه الصعوبات الاقتصادية والإخفاقات السياسية ومناظر الدماء وأشلاء القتلى من إخوته وبني جلدته . ومستوى آخر خفي ، لا يقل عن الأول ضراوة وتأثيرا فيضرب في أعمق الأعماق ، انه ( الكبت الناعم ) الذي يتراكم يوما بعد يوم . حوادث صغيرة هنا وهناك ، يجمعها شيء واحد ، قلة القيمة ، أي قيمة الإنسان في وطنه ، وانحطاط أهميته ، وعجزه عن أن يشارك في اتخاذ القرار ، وتموضعه في أسفل سافلين ، رقما لا يقدم ولا يؤخر وليس له نصيب من الإنسانية إلا ما تفرضه الاعتبارات البيولوجية المحضة ، التي تغادره ركاما من اللحم والدم ، والعري النفسي والجوع الأخلاقي .

هنا تلتقي السياسة بالاقتصاد ، والتاريخ بالاجتماع ، والبيولوجيا بالأفكار ، ويزن بعذاباته ، فيشتد إحكام القبضة ، ويغرق السجين في ظلمته ، فتعشى عيناه بالنور إن لاح من بعيد ، ويصبح الذل مدعاة للافتخار ، والحقيقة باطلا وسذاجة . عندئذ فقط يلتقي الكبت الناعم بدبيب النمل الذي أورده الحديث النبوي الكريم وصفا للشرك الخفي ، الشرك الذي يعلو فيه من يعلو إلى فوق مقام الآلهة ، ويسفل فيه من يسفل إلى ما نصون أسماعكم عن ذكره .

نتيجة هذا كله ، عنف مبرر ، وكذب مبرر ، وغش مبرر ، وتجاوز للقوانين كلما سنحت فرصة أو لاحت لائحة . إنها الدفاعات الطبيعية التي يفرضها صراع البقاء حين تفقد كل الأشياء معناها ، ويغرق المجتمع في الكذب . كذب يحاصره من فوقه ومن أسفل منه ، مصداقا لقول الحكيم الذي قال ذات يوم : إننا نعيش فوق بساط كبير موشى بالكذب والدجل .

المجتمع إنسان كبير ، تفرز خلاياه التي هي أنا وأنت وذاك وتلك ، ما يعتمل فيه من علل وأمراض . لذلك لم تكن قضية يزن قضية شخصية ، ولا حادثة جيهان حادثة فردية ، ولا جريمة أبو علندا خروجا على النص . هذه الأحداث المتسلسلة وغيرها الكثير علامات مؤكدة على مشكلة حقيقية يعاني منها الجسد ، فتنخره في صميمه .

يزن ضحية أخرى ولن تكون الأخيرة ، وربما تكون حادثته نتيجة حتمية لتآكل الطبقة الوسطى كما يقول الكثيرون . لكن البلاء لا يكمن فقط في العوامل الاقتصادية ولا في مظاهر الفساد المنتشرة هنا وهناك ، ولا في الأجهزة الرقابية والتشريعية العاجزة عن أداء رسالتها والغارقة حتى الثمالة في أنانيتها ومصالحها الشخصية . هذه الأشياء ليست أكثر من مظاهر لبلاء أخطر بكثير ، وأدعى لمحاسبة أنفسنا بدلا من مجرد الوقوف عند الظواهر . البلاء يكمن هناك على مسافة قريبة من كل واحد منا ، هو شريك ومسئول عن الجريمة التي هزت معنى الإنسانية وضربتها في أطهر جوانبها ، الطفولة والبراءة ، فكانت وستبقى الضحية الحقيقية والخاسر الأكبر .

Samhm111@hotmail.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :