facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





عن أي عقد اجتماعي يتحدثون؟


د. عادل يعقوب الشمايله
14-10-2018 09:29 AM

على مدى سنوات عديدة، ظلَّ الملك حسين يدعو اسرائيل الى قبول اتفاق سلام عادل ترضى عنه الاجيالُ القادمة. صِفةُ الاتفاقِ أو العقد العادل لا تنطبقُ مثلا على عقود التأمين، ولا على عقود القروضِ من البنوك لأنها عُقودٌ جاهزةٌ مُعدَةٌ مِن قِبلِ البنوك وشركات التأمين لمصلحتها ولا تكونُ قابلةً للتعديل. الشرط الذي وضعه الملك حسين لم يتحقق ولا في واحدة من إتفاقيات وادي عربه، وكامب ديفيد واوسلو. هذه الاتفاقات ليست عادلةً لأنها وقِعتْ بينَ أطرافٍ غيرِ مُتكافأةٍ في القوة الذاتية، ولا في التحالفات الدولية ولا في الشرعية السياسية الداخلية.

في المقابل، كثيرا ما يتطرقُ الناشطونَ السياسيون الاردنيون منذ الربيع العربي الى تجاوز الحكومة والنظام على العقد الاجتماعي بين النظام الحاكم وبين الاردنيين. عندما أقرأ مثل هذه المزاعم ، أتأكدُ للمرة الألف، أنَ هؤلاءِ الناشطين، أُميون في علم السياسة والقانون وعلم الاجتماع. إنني أتساءل عن أي عقد إجتماعي يتحدثون؟ متى كان هُناكَ عقدٌ إجتماعي في الاردن وأين هو محفوظ، ومن وقعه؟

مُنذُ أن حُرر الاردن من الاحتلال العثماني، أصبحَ تحت الانتداب البريطاني لأن الانجليز هم من أزاح ظُلمةَ وظُلمَ العثمانيين . وفي المقابل، عندما تفاوضَ الشريف حسين معَ مكماهون، لم يُسجلِ التاريخُ أن عرب الشام والعراق والجزيرة قد انتخبوه أو أي شخصية أو هيئة أخرى لتفاوض الانجليز باسمهم. نعم، كانت هناك حوارات وتحركات بين الشريف حسين وبين النخبة، ولكنها لم تَخلقْ ألياتِ مُشاركة شعبية شرعية وبالتالي لم يوقع عقد اجتماعي. لقد كان الانجليز، وليس العربُ هُم مَن وعدَ الشريف حسين بأن يكونَ ملكاً على عرب المشرق. ولذلك فأنه عندما قام الانجليز بنفيه الى قبرص لانه رفض أوامرهم بقبول وتبني تنفيذ وعد بلفور، لمْ تَخرجِ الجماهير العربية إنتصارا لملِكها الموعود، ولم تُطالب حتى باعادته كمواطن الى وطنه.

ومن المفيد أن أُنوه هنا الى أن الامير عبدالله لم يكن في حِساباتهِ أن يُصبحَ أميراً لجزء من بلاد الشام، وإنما كان يتطلعُ لان يكون ملك سوريا جميعها على إعتبار أن والده قد إنضم الى صف الحلفاء جميعهم باعتبارهم في حالة حرب مع الدولة العثمانية، وليس الى صف الانجليز وحدهم، ولذلك ظن أنه يترتب على فرنسا بموجب مسؤوليتها المشتركة التي أوجدها الاتفاق أن تُنصِبهُ ملكا على سوريا بديلا لاخيه فيصل. إلا أنه وأمامَ إصرارِ فرنسا على رفض مطلبه، وعلى رغبتها في حُكم سوريا حُكما مُباشرا دون وسيط، تولت بريطانيا وتجنبا للمشاكل بين الحلفاء الذين تقاسموا المشرق العربي، إيقاف الامير عبدالله، وضبط إيقاع خطواته، ثم عينته أميراً على شرق الاردن بدون إستشارة السكان، باعتبارها الدولة المنتدبة. قرارُ التعيين صدرَ بعد أن صَنعَ الانجليز ما أصبح يسمى شرق الاردن ورسموا له حدودا لم تكن موجودة من قبل، إذ لم يسبق أن كان هناك كيانٌ سِياسيٌ مُستقلٌ على البقعة الجغرافية التي إسمها الان الاردن.
بعدَ مرور قُرابةِ عقد من الزمن على تولي الامير عبدالله الحكم اي في عام 1928، إجتمعُ شيوخ القبائل والعشائر المنتشرة فيما اصبح يسمى شرق الاردن. في هذا الاجتماع كان الهدف ولاول مرة في تاريخ تلك القبائل ليس توازع مكاسب غزوة، او للمصالحة بين قبائل متحاربة، ولكن لاتخاذ موقف من الحكومة والانتداب البريطاني اللذان لا يعيران المواطنين أي إهتمام. تضمنت توصيات المؤتمر ما يمكن اعتباره قبول المجتمعين، اللذين لم يسبق وأن ربطهم أي إطار تنظيمي يوحدهم، أو مصلحة مشتركة ، بالانضواء تحت سقف واحد يُظلُ الوطن الوليد. وهو اعتراف بالامر الواقع الذي أوجده الانتداب، رغم الانتقادات الحادة لكل من الحكومة وادارة الانتداب. هذا الاعتراف بالامر الواقع أضفى بعض الشرعية السياسية الوطنية على حُكمِ الامير عبدالله، بعد أن كانَ يستمدُ شرعيته من حكومة الانتداب، ومن شرعية الثورة العربية. وعلينا أن لا ننسى أن المجتمعين كانوا مجرد زعماء قبائل وليسوا ممثلين منتخبين لاغراض سياسية. لم يحضر الامير عبدالله المؤتمر ولم يسبق له أن دعا الى مؤتمر شعبي بهدف أن تقبل به تلك القبائل حاكما عليها. فقد كانَ يعرفُ أن هذه الشكليات لا تُقدمُ ولا تُأخر أمام قرارات الانجليز والذين لا يفضلونها أصلا، لأنهم يريدون أن يَظلَ بقائهُ مُرتبطا برغبتهم. هذا يعني ان مقررات المؤتمر كانت تعبيرا عن موقف المواطنين، وليست اتفاقا بين طرفين. وعلينا ان نتذكر محاولات التمرد المتكررة على حكم الامير الهادفة للعودة الى التشرذم المناطقي والزعامات المحلية والتي أحبطها الانجليز.
تشيرٌ المصادرُ التاريخيةُ، الى أن الامير عبدالله ظل يحكم الاردن ضمن الصلاحيات المحددة له من المندوب السامي دونَ مُشاركة الاردنيين مُدة تسع سنوات، بعدها قرر الموافقة على تشكيل مجالس إستشارية تلتها مجالس نيابية ولم يكن ذلك رضوخا لضغط الاردنيين. ورغم أن تشكيل المجالس النيابية في الاردن كان دوما يسبقها إنتخابات، إلا أن ما استقر في وجدان الاردنيين هو عدم نزاهة أي منها. فلقد ولدت ظاهرةُ شراء الاصوات مُنذ بداية الانتخابات النيابية. كما أن تدخل السلطة التنفيذية بما في ذلك الاجهزة الامنية لم يغب عن أي منها.
لم يقتصر تغييب الاردنيين على عدم اشراكهم في صياغة واقرار سلسلة الدساتير التي صدرت وقت الامارة، وانما تجاوزه الى ما هو اخطر. فقد تقرر الحاق الضفة الغربية بالاردن ومنح الجنسية الاردنية للفلسطينيين دون إستفتاء شعبي. هذا القرار الخطير الذي خلق العديد من التعقيدات السياسية والتبعات الخطيرة على مصير الاردنيين ومصير القضية الفلسطينية؟ وعندما قبل الملك حسين تحت ضغط الدول العربية بقبول مطالب والحاح الفلسطينين بالغاء الوحدة، صدر قرار فك الارتباط المربك، الحي، الميت دون اشراك الشرق اردنيين. إذن أين العقد الاجتماعي امام هذه القرارات المنفردة؟
سياسة التغييب والقرارت المنفردة كانت ولا زالت سياسة ثابتة كرسها دستور ١٩٥٢ الذي صدر قبل ان يزول الاحتلال البريطاني، وتم تمريره من خلال برلمان شكلي الدور، الامر الذي يطعن في شرعيته ايضا. وحتى لو غضضنا الطرف عن مسألة شرعية ذلك الدستور، فإن الدستور لم يشتمل على ضمانات حقيقية ثابتة وراسخة للحريات العامة وللتعددية السياسية حتى يُصبحَ مَحل تقديسٍ مِن بعض المشاغبين السياسيين الذين لا يحسنون القراءة القانونية والسياسية؟ ألم يتم الانقلاب على ذلك الدستور لتقليص حتى الدور المحدود للاردنيين في ممارسة الحكم حيث تم حظر الاحزاب السياسية واعتقال الحزبيين والناشطين سياسيا. ألم يتم تقييد حرية التعبير بمختلف اشكالها ووسائلها؟ فاذا كان دستور 1952يمثل عقدا اجتماعيا مَرضياً عنه، فانني أتساءل لماذا انخرط مُعظم المثقفين الاردنيين ومعهم اعداد كبيرة من الجماهير في الاحزاب الشيوعية والبعثية والناصرية والاخوانية والتحريرية، وجميعها كانت تسعى الى تغيير نظام الحكم.
بناءاً على ما تقدم، علينا أن نعترف بعدم وجود عقد اجتماعي بين الشعب الاردني وبين النظام الحاكم. علينا أن نعترف بأن الدستور الاردني هو مِنحةٌ ومكرُمَةٌ من النظام الحاكم وليس حقا مكتسبا. ولذلك فمن حق صاحب المكرمة أن يُعدلهُ وقتَ شاء ويُجمدهُ وقت شاء ويلغيهِ وقت شاء. وعلينا ان نعترف بأن وجود النظام الحاكم في الاردن لم يكن بمكرمة من الاردنيين، ولم يرتبط بموافقتهم ورضاهم، وبالتالي فإن إستمراره ليس رهن إشارتهم وتحت رحمتهم. الدستورُ، الذي تَكرَمَ بِه الملك يُحددُ توزيع السلطات والادوار ومن يحكم ومن يذهب، وسبل إدارة شؤون الدولة السياسية والاقتصادية والمالية والثقافية بالطريقة التي يرتأيها الملك، باعتباره رأس النظام ووارث العرش الذي حصلت عليه الأُسرةُ الحاكمةُ بارادتها وتدبيرها وعزمها وتحالفاتها. لم يكن الحكمُ بيدِ ألاردنيين حين أصبح الامير عبدالله أميرا وبالتالي فإن الاردنيين، لم يُعطوا، حتى يكون من حقهم أن يُحاسبوا أو يسحبوا ما أعطوه. وبناءا على ذلك، فان على النشطاء السياسيين أن يُدركوا أن إزاحة هاني الملقي من رئاسة الحكومة لم تتم استجابة لمطالبهم، ولكن لأن الرجلَ مريضٌ ولا يستطيع القيامَ بوجباته، ولذلك قرر الملك إستبداله باحد الوزراء ليكون رئيسا، وأُبقي على مُعظم فريق الملقي. ولاثبات صحة تقيمي، أُذكر بقرار حل مجلس النواب عام 1966 لانه تجاسر وقتها ورفض إعطاء الثقة لحكومة سمير الرفاعي. ماذا كان ردُ الشعب الاردني؟ ألم يبق صامتا الى أن قررَ الملك حسين منح الاردنيين مجلس نواب من جديد عام 1989؟ ولمجرد التذكير، فإن هبة نيسان لم تطالب باعادة انتاج مجالس نيابية، بل كانت مطالبها إقتصادية ومعاشية ومحاربة الفساد. ولان الدستور المعمول به لا يقدم ضمانات واليات كافية لنزاهة الانتخابات النيابية، فإن الاردنين عادة ما يبدأون بالمطالبة بحل مجلس النواب بعد اشهر من تعيينه، لانهم مقتنعون بأنها مجالس طامة كبرى عليهم، وأن دورها يقتصر على تمرير وشرعنة القوانين والاتفاقات والمعاهدات. وهذا هو انعكاس طبيعي لعدم وجود عقد اجتماعي أصلا.
ينصُ الدستورُ الاردني على أن الملك يحكمُ بواسطة وزراءه. أكررُ "وزرائه" "والهاء" في أخر كلمة "وزراءه" تعود للملك. أي أن الوزراء هم وزراء الملك وليس وزراء الشعب. الملك هو رئيس السلطة التنفيذية. ويلاحظ أن النص الدستوري لم يذكر صيغة توحي بفريق عمل " ك مجلس وزراء أو رئيس وزراء". أي أنهم مرتبطون به فرادى وينفذون أوامره وإرادته. ولذلك فإن مطالبة الاردنيين باقالة رئيس الوزراء أو تغيير الحكومة برمتها، تُستقبلُ مِن قِبل النظام بأنها تَدخُلٌ في سلطات الملك الدستورية.
واخيرا، أرجو أن أُوضح، أن الهدف من هذا المقال هو ليس "وضع النقاط على الحروف" لان جَميعَ النُقاطِ موضُوعةٌ مِن قَبلْ، ولكنه يهدف الى "تشكيل الحروف" حتى تُقرأ بشكل صَحيحٍ وناضج. كما أن المقال هو مُحاولةٌ لإزالة ألتشوهات في أنماط التفكير السياسي للنُخبة الأُردنيةِ ومن يتبعهم بإحسان. هذا المقالُ قراءة واعية تحللُ وتقيمُ الواقعَ كما هو، وليسَ كما يُريدهُ كاتبُه. وبالنتيجة، فهو محاولة لتأسيس الارضية لبناء موقفٍ جديد، ومن ثم السعي "بارادة وطنية" لا قبلية ولا جهوية للبناء على هذه القاعدة، لِكتابةِ عقدٍ إجتماعي "عادلٍ" يرتضيه ويقبل به الجيل الحالي وتدافع عنه الاجيال القادمة.
سَيكونُ الانتقالُ لهذهِ المرحلةِ في مصلحةِ طرفي العقد. لقد اّن الاوان للنظام، "للاعتراف" بامكانية تشكل الشعب الاردني بالمعنى السياسي بعد أن ذابت كثير من الفوارق بين قبائله وعشائره ومن هاجر اليه واختاره وطنا، وما نشأ بينهم من صلات القربى والنسب والجوار والعيش المشترك والرضوخ الى حكم واحد، وما تكفلت به التفاعلات خلال المائة سنة الماضية التي أعقبت التحرير. هذا الاعتراف من قبل النظام يجب أن يتزامن معه إقتناع ورضا أبناء القبائل الاردنية ومن توطنوا، باستبدال ولائهم القبلي أو الاقليمي او الجهوي بالولاء للدولة أولا واخيرا، لان تعدد الولاءات يجعل مجموعها صفرا بالحسابات السياسية. على هؤلاء أن يقرروا قبل غيرهم أنهم شعب واحد متحد. عندها، وعندها فقط يكون من حق هذا الشعب أن يتولى بنفسه تحديد حقوقه السياسية والقانونية والاقتصادية والمالية والثقافية بارادة مستقلة وواعية وبصورة مباشرة من خلال دستور يمثل عقدا اجتماعيا حقيقيا يتجاوز فيه التهميش كما يتجاوز الشرذمة الفعلية والمصنعة قصدا تحت قاعدة فتت تسد. وأن يتضمن الدستور النصوص والاليات التي تُترجمُ قاعدة أن الشعب هو مصدرُ السلطات، وأن تكون الحكومة من الشعب وبالشعب وللشعب. وان تكون الحكومة مُجرد وكيل عن الشعب، مؤتمن ومساءل وليست سيدة عليه. وأن تضمن نصوص الدستور والياتهِ مُلكية الشعب المطلقة والدائمة لارضه وموارده. وأن أي تعديل للدستور يجب أن يكون باستفتاء شعبي دون تدخل، وان لا يَطال أيُ تعديلٍ على الدستور ولا القوانين الصادرة بموجبه، السيطرة الكاملة للشعب على إدارة الدولة ومواردها ولا حريات المواطنين وخاصة حرية تشكيل الاحزاب والانضمام اليها وحرية التعبير، وان يكون دور الاجهزة الامنية خدمة الشعب اولا واخيرا، سرا وعلانية من خلال رعاية النظام العام والسلم الاجتماعي والدفاع عن الوطن وليس السيطرة عليه وعدم التدخل بالعملية السياسية بأي شكل من الاشكال. إن مثل هذا العقد كفيلٌ بأن يوقف التيار الذي يشكك في شرعية النظام وإمكانية إستمراره. ويُجنبُ الدولة مزالقَ الفوضى.
لقد اّن الاوان للشعب الاردني أن يتوقف عن التسول والتوسل، فالحقوقُ تنتزع ولا تُمنح. وأن إنتزاع الحقوق مُمكنٌ بالوسائل السلمية إذا تضامنَ الشعبُ باكمله وانخرط في النضال السلمي وبطرق ووسائل حضارية مرتفعا فوق العصبيات القبلية والاقليمية والجهوية التي لم يأت منها أي خير، بل كل الضرر والشرر.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :