facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





عن مجتمع تطور


د.عبدالحكيم الحسبان
04-06-2021 01:07 PM

ذات يوم شاءت الصدفة أن أستمع إلى واحد من أكثر رؤساء الحكومات في الأردن فصاحة واعتدادا بالنفس واستطرادا أكثرهم هجومية، وهو يخوض نقاشا يتعلق بالإصلاح السياسي في الأردن بدا فيه في غاية الشراسة في الدفاع عن العشيرة، ورافضا لمقولة تقول إن العشيرة هي عائق أمام الإصلاح والتطور الديموقراطيين في الأردن. وكان مما قاله بالحرف إن العشيرة في الأردن لا تختلف عن الحزب السياسي في بريطانيا. فكما ينضوي البريطانيون في أحزاب سياسية، فان الأردنيين ينضوون بنفس الكيفية في عشائر، وإنه في النهاية لا فرق بين الحزب السياسي في بريطانيا والعشيرة في الأردن.

حديث رئيس الوزراء الأردني الأسبق كان مثيرا للحزن وصادما حين بدا فيه عاجزا عن إدراك الفرق بين العشيرة والحزب السياسي، وعن إدراك الاختلاف البنيوي بين مجتمع حداثي، بل ما بعد حداثي كبريطانيا تطورت بناه الاجتماعية، وتعقدت ليصبح الحزب السياسي رافعة العمل السياسي الذي يدير البلاد، وبين مجتمع أريد لبناه الاجتماعية أن تتجمد وتتحنط لتبقى تحاكي البنى الاجتماعية لمجتمعات ما قبل الدولة أي مجتمعات ما قبل التاريخ. زمنيا الحزب السياسي منتج حديث لا يزيد عمره عن قرنين أو ثلاثة، في حين أن العشيرة منتج عتيق وهي أشبه بالمستحثات الثقافية، وكان ظهورها الأول يعود إلى أكثر من عشرة آلاف عام.

حديث رئيس الوزراء الأسبق الذي بدا عاجزا عن إدراك البرزخ الكبير زمنيا وتاريخيا وحضاريا الذي يفصل بين العشيرة ونوع السياسة الذي تأتي به، وبين الحزب السياسي وما يخلقه على صعيد السياسة وإدارة المجتمع، هذا الحديث يبين بوضوح نوع السياسة والعقل السياسي الذي أدار البلاد والذي قادها إلى هذا المأزق الكبير وغير المسبوق. إذ كيف لعقل يصنع القرار في البلاد ولا يدرك الفرق بين العشيرة والحزب أن يقود البلاد نحو الإصلاح الديموقراطي والحداثة والتطور.

وتشاء الصدف أن تكون العشيرة مفهوما وبنية وممارسة وعلاقتها بالدولة في الأردن موضوعا لرسالة الماجستير التي كتبتها في بداية مشواري البحثي، وبدأت معها رحلتي في البحث العلمي في أنثروبولوجيا المجتمع الأردني، واستمر مفهوم العشيرة وعلاقتها بالدولة والسلطة لتكون موضوع البحث الذي قدمته في رسالة الدكتوراه في جامعة بوردو الثانية في فرنسا.

منذ سنوات يجري الحديث عن العشيرة ليعلو حينا ثم يخفت حينا آخر، ومؤخرا تكثف الحديث عنها لتصبح في الأيام الأخيرة المفردة الذهبية الأولى بامتياز وحيث العشيرة وكلمة العشيرة، هي الكلمة الأكثر حضورا على السنة الأردنيين نخبا وعامة وصناع قرار. الكلمة كانت وما تزال واحدة من الكلمات التي تثير لغطا وخلافا بين الأردنيين، ولا تحظى مطلقا إن كان على مستوى التعريف والدلالة والفهم والموقف بأي توافق أو إجماع بين الأردنيين.

في علوم أنثروبولوجيا السياسة ثمة سلم أو تصنيف تطوري وضعه المختصون يصف تطور المجتمعات سياسيا ومن حيث نوع البنى الاجتماعية والسياسية فيها، بادئين من المراحل الأولى في التاريخ الإنساني: المجتمعات الأولى التي استمرت لمئات آلاف السنين والتي كانت تعيش على جمع الثمار وصيد الطرائد، عاش الانسان فيها دون دولة، وكان الإنسان فيها عضوا في جماعة اسمها الزمرة، ثم تطور الإنسان وتجاوز مجتمعات الزمرة فظهرت القبيلة أو العشيرة كتنظيم اجتماعي واقتصادي وتقني وسياسي، ثم تطورت المجتمعات لتدخل عصر الدولة التي بدأت بالدولة المشيخة، ثم الدولة المدينة, ثم الدولة القومية. بين مجتمعات العشيرة ومجتمعات الدولة، قطعت البشرية رحلة طويلة وشاقة من التغيرات والتحولات استغرقت أكثر من عشرة آلاف عام من التطور والتعقيد اقتصاديا وتقنيا واجتماعيا ومعرفيا.

في مجتمعات الزمرة والعشيرة كان التشارك في رابطة الدم هو الذي يحدد كل الحقوق للشخص وكل الواجبات. الحق في الانتماء للجماعة، والحق في الحماية والحق في التشارك في الطعام، كانت تقتضي كلها أن يكون الشخص يتشارك نفس علاقات الدم مع الجماعة. وأما في مجتمعات الدولة، فقد تجاوزت المجتمعات الإنسانية رابطة الدم لتعتبر أن التشارك في نفس الأرض أو الإقليم هو الذي يعطي للفرد كل حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

في مسيرة المجتمعات الإنسانية، تطورت المجتمع الإنساني من مجتمع يبني كل شبكة الحقوق والواجبات على التشارك في علاقات الدم، إلى مجتمعات بات الانتماء للأرض والتشارك فيها هو أساس صناعة الحقوق والواجبات. فكانت المدينة في البداية وعلى صغر مساحتها النموذح الاول للنسق الجديد في صناعة السياسة وفي تنظيم الحقوق والواجبات، فمن يسكن نفس المدينة يتساوى مع الاخرين في شبكة الحقوق والواجبات بغض النظر عن علاقات الدم. وفي العصر الحديث باتت الدولة بأرضها الواسعة هي أساس الانتماء وأساس تحديد شبكة الحقوق والواجبات. فبمجرد أن تتشارك مع ملايين الناس نفس الأرض التي يقيمون عليها تتشارك معهم شبكة الحقوق والواجبات التي طورتها الجماعة لتصنع السياسة فيها.

مفهوم العشيرة
نشأت العشيرة في الأصل لتقدم الوظائف التي صارت تقدمها الدولة لاحقا حين تحولت المجتمعات الى مجتمعات دولة. ففي الأردن الذي بقي سكانه طوال الفترة العثمانية يعيشون كسكان مناطق طرفية بعيدة عن المركز أي استانبول، كانت العشيرة لا الدولة هي التي تقدم الأمن والحماية لأعضائها إذ لا وجود لشرطة أو مراكز أمن للدولة تقوم بهذه الوظيفة، فكان على العشيرة أن تقوم بها. وكان على العشيرة أن تؤمن الطعام والعيش لأعضائها في غياب الدولة، فكانت ملكية العشيرة للأرض الزراعية بصورة جماعية في المجتمعات الفلاحية المستقرة، وكانت الملكية المشتركة للقطعان وللكلأ والمياه في المجتمعات الرعوية. وكان على العشيرة أن تؤمن وظيفة فض المنازعات بين الأفراد وتحقيق الضبط الاجتماعي للجماعة في ظل غياب المحاكم التابعة للدولة.

ففي الأردن ما قبل الإمارة، كانت العشيرة في البادية تمتلك جسما ماديا، واقتصادا رعويا ماديا، وحيزا مكانيا محددا مرئيا. وإما العشيرة في المناطق الفلاحية التي عرفت الاستقرار، في السلط وعمان واربد، فقد كانت العشيرة تمتلك أيضا حيزا مكانيا خاصا بها، يتشاركه كل أفراد العشيرة، وكانت القرية تنقسم إلى أحواش خاصة بكل عشيرة. وفي الحوش الذي يتجمع ويسكن فيه كل أفراد العشيرة، كانت الجماعة تتشارك أنشطة التحضير للإنتاج وانشطة التوزيع والاستهلاك. ففي إربد كانت أحواش التل والرشيدات وغيرها من العشائر تشكل نواة التنظيم المكاني، وكانت الاحواش تعطي حضورا ماديا للعشيرة.

تحلل بنية العشيرة وتفككها
وبعد الحرب العالمية الأولى وتشكل الخريطة الجديدة في الإقليم، خضعت مناطق شرق الأردن لجملة من العمليات والديناميات الاقتصادية والاجتماعية والحضرية التي أحدثت تحولات عميقة في البناء الاجتماعي كانت الدولة محورها. وتسارعت هذه العمليات الحضرية الاقتصادية والاجتماعية في خمسينيات القرن الماضي نتيجة الهجرات الفلسطينية التي جلبت مئات آلاف السكان من المناطق الفلسطينية كالقدس ونابلس وحيفا ويافا إلى مناطق شرق الأردن. كما تسارعت عمليات التحضر في الأردن في سبعينات القرن الماضي مع تطور الاقتصاديات النفطية في المنطقة. وبعد أن كان معظم سكان الأردن يعيشون في البادية وفي المناطق الريفية الفلاحية، بات أكثر من 80% من سكان البلاد يعيشون في المراكز المدينة.

كانت نتيجة كل هذه التحولات التي عاشها المجتمع الاردني منذ عقود تأسيس الإمارة، وعلى رأسها ظهور مركز قوي هو عمان، وتطور جهاز وذراع دولة قوي، هو الدولة الأردنية، أن فقدت العشيرة معظم وظائفها، وكادت أن تفقد كل وظائفها. فالدولة باتت هي من يوفر الأمن لا العشيرة، والوظيفة والمعيشة باتت توفرهما الدولة لا العشيرة، والتعليم والطبابة، باتت المدرسة الحكومية والمستوصف الطبي يوفرانهما وليس العشيرة. فكان من نتيجة هذه التحولات أن فقدت العشيرة وظائفها، وكان من نتيجة هذه التحولات أيضا أن تفتت الجسم المادي للعشيرة، فافراد العشيرة لم يعد لهم حيز فراغي أو مكاني خاص بهم يعيشون به، ويتفاعلون بشكل يومي فيه. ففي البادية ونتيجة عمليات توطين البدو، تم تفتيت الجسم المادي للعشيرة، وفي المناطق الحضرية الريفية، توزع وتشتت أفراد العشيرة، ولم تعد القرية أو المدينة تنتظم على أساس على علاقات الدم.

إعادة إحياء العشيرة
وفي مواجهة كل هذه التحولات العميقة على صعيد بنية المجتمع ومكوناته، كان هناك من أراد أن يمارس السياسة بنفس الكيفية التي مارسها بها العثماني أو البريطاني، وهي السياسة التي يصفها المفكر الكبير البرت حوراني "بسياسات الأعيان". وفي حين كانت العشيرة تضعف نتيجة تسارع عمليات التحضر، وارتفاع مستويات التعليم، واتساع عمليات التعرض لوسائل الإعلام وغيرها من العوامل، كان هناك من يرى أن العشيرة لا ينبغي أن تفتت كجسم مادي، إلا أنه ينبغي إحيائها فكريا وذهنيا واديديولوجيا. فتحولت العشيرة من بناء ذات وجود مادي حقيقي مرئي للعين، إلى مجموعة من الصور والتمثلات والولاءات الايديولوجية.

وفي مقابل المجتمع الذي يتطور ويبدو متعطشا للحداثة، كان هناك من أصر على أن العشيرة لا ينبغي أن تختفي، وكان هناك من يحاول إعادة إنتاج العشيرة.

ففي حين تقوم الدولة الحديثة على مفاهيم المواطنة التي تحقق المساواة في الجوانب الحقوقية بين الإفراد، كما تقوم على مفاهيم التعاقد بين مجموع الأفراد فيما بينهم، وبينهم وبين الدولة، كما تقوم على مفهوم المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والاتحادات. وهي كلها فضاءات اجتماعية ومعرفية وسياسية مفتوحة بمعنى أن كل المواطنين لهم الحق المتساوي في الانتساب إليها، فان العشيرة وما ينبثق عنها من مؤسسات مثل المضافة أو صندوق العشيرة، هي بناءات مغلقة، إذ لا يستطيع الولوج إليها إلا من كانوا يتشاركون نفس علاقات الدم. فالمضافة بناء خاص فقط بأبناء العشيرة، وهو مغلق على صعيد العضوية والفاعلية أمام بقية أعضاء العشائر الأخرى، ولا يحق إلا لمن امتلك شرط التشارك في نفس الدم أن يدخل إلى فعاليته. في حين يمثل الحزب السياسي والنقابة فضاءات وبنى مفتوحة أمام كل من يتشاركون الانتماء للأرض أو الإقليم.

وفي حين تمثل العشيرة تجمعا من الأشخاص المتباينين اقتصاديا وتعليميا وفكريا، وكل ما يجمعهم هو رابطة الدم فالحزب السياسي يمثل مجموعة من الإفراد المواطنين الذي يختلفون في علاقات الدم وفي الدين ولكنهم يتشاطرون ويتشاركون نفس المشروع الفكري والإيديولوجي والسياسي لإدارة الدولة والمجتمع.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :