facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





ماهية «الكلمة»


م. أشرف غسان مقطش
25-07-2021 12:02 PM

في سني طفولتي ومراهقتي في عنجرة، محافظة عجلون، شمالي الأردن، وبحكم أنني ولدت مسيحيا، كنت أصلي في كنيسة دير لاتين عنجرة. كاهن الرعية آنذاك كان الأب الراحل يوسف نعمات. وأثناء القداس في أحد الأيام، وخلال كرازة الإنجيل الذي كان موضوعه حينئذ (مَثَلُ الإبن الشاطر)، قال الأب نعمات: "نحن نعرف أن كلمة «شاطر» معناها مجتهد، ذكي،...، إلخ، وهذا {خطأ شائع}؛ ف{المعنى الصحيح} لهذه الكلمة هو: لص."

لفترة طويلة، كنت من أشد المولعين بمثل هذه المعلومات التي تدور في فلك «الخطأ الشائع»، وكنت أحرص على حفظها عن ظهر القلب وتوثيقها في دفتر أطلقت عليه اسم (الجامع في المعرفة)، وبقيت على هذه الحال حتى وقع بين يدي كتاب (أسطورة الأدب الرفيع) لمؤلفه عالم الإجتماع العربي د.علي الوردي.

يعرِّف الوردي اللغة في كتابه أعلاه بأنها "ظاهرة تنبعث من المجتمع وتتطور حسب حاجاته وظروفه".(1) وهذا التعريف يقودني إلى القول بأنه إذا كان المعنى الأول أو قل المعنى الأقدم لمفردة «شطارة» حتى هذه اللحظة -وهو ليس بالضرورة أن يكون المعنى الصحيح لها كما ذكر الأب الراحل، وليس بالضرورة أن يكون المعنى الأصيل لها كما قد يظن البعض منا- هو: اللصوصية، ثم نَمَتْ وتطورت هذه المفردة بمعانيها ومدلولاتها بتطور الظروف المحيطة بها حتى اتخذت لها معنى آخر كالإجتهاد والذكاء؛ فلا يعني هذا وجوبا من وجهة نظري أن أي معنى آخر قد تكتسبه هذه المفردة لاحقا ما هو إلا «خطأ شائع»!

لعلني لا آتي بشيء جديد إذا ما اعتقدت بأن للكلمة -أية كلمة- تاريخ بالمدلول العام لمفردة «تاريخ». ولربما لا أخطئ القول بأن تاريخ أي كلمة ليس ثابتا في بعدي الزمان والمكان، بين قوسين: في الزمكان. ويجوز أن نقول أن أية كلمة لها (لفظ/نُطْقٌ) لأول مرة، وإذ نُطِقَتْ وقتئذ، كان لها معنى اكتسبته من الظروف الآنية اللحظية التي أبصرت فيها النور، ومع مرور الزمن، وبتغير الظروف التي تمر بها، يحدث أنها تترعرع وتكبر وقد تكتسب معنى غير المعنى الذي أُصْطِبِغَت به للمرة الأولى، ويتداولها الناس في إطار معناها الجديد، وطالما أن الكلمة بمعناها المستجد تحقق التواصل بين الناس دون لُبْسٍ أو ارتباك؛ فهذا المعنى بالكاد أعتبره «خطأ شائعا».

في لغة الضاد، اللغة العربية، نقول: أَسِيَ الطبيبُ المرضى الفقراءَ مجانا، أي داواهم أو عالجهم مجانا، أليس كذلك؟ تعالوا معي نتحقق فيما إذا كانت مفردة «أَسِيَ» العربية ذات أصول سومرية أم لا. هذا موضوع آخر بالتأكيد، لكنني أرى له صلة بتاريخ المفردة في الزمكان. يقول د.عبد العزيز اللبدي: "وكان عندهم [أي عند السومريين] طبيب يمارس المهنة اسمه اسو (ASU) وهو غير الساحر أو المنوم (ASIPU)."(2)

لاحظوا معي سادتي القراء مدى التشابه بين لفظة «أَسِيَ» ولفظة اسو (ASU). لربما جاز لنا أن نفترض أن مكان ولادة لفظة «أَسِيَ» هو اللغة السومرية، وزمان ولادة اللفظة هو اللحظة التي لُفِظَتْ فيها على شكل «اسو» لأول مرة، حتى إذا شبَّت هذه اللفظة، لربما شدت الرحال إلى أماكن جديدة مع دوران الأرض حول الشمس وحول ظلها، فكانت إحدى تلك الأماكن التي استقرت فيها لبعض الوقت على ما يبدو هي كنف اللغة العربية. وهنا بيئة أخرى تحيط بهذه اللفظة، فتكيفت مع ظروفها الجديدة، ولبست ثوبا يتماشى مع عاداتها وتقاليدها، ومن الممكن بل من المحتمل أن هذا الثوب هو: «أَسِيَ». وبناء على ما سبق، لعلني لا أجانب الصواب إذا ما قلت بأن اللفظة في التاريخ ليست أزلية أبدية بلفظها ومعناها.

لنأخذ مفردة «ثقافة» في البيئة الإنجليزية مثالا على تطور المفردة في معانيها ودلالالتها. يقول جوزيف مسعد: "لقد قام الباحث الأدبي البريطاني رايموند وليامز بالتنقيب عن أصول المصطلح الإنجليزي الحديث «ثقافة» culture، مؤكدا ظهوره خلال القرن الثامن عشر، وانتشاره وتداوله منذ بواكير القرن التاسع عشر، حاملا معنى مختلفا عن معناه القديم المتعلق بزراعة النباتات، وعن المعنى الأحدث له، وهو تنشئة الأطفال، إلى معان تُعرِّف الطبقة والتعليم، وأشكال معينة من المعرفة [ليس جميع أشكال المعرفة]. وتكمن أهمية اشتغال ويليامز على «الثقافة» في تأريخه لنشوء المصطلح ك تصنيف يدرس الباحثون الحداثيون من خلاله «شعبا» من الشعوب، وكلمة «شعب» بدورها اختراع حديث أيضا، كما أن ظهورها [ظهور كلمة «ثقافة»] ك موضوع تدرسه علوم الأنثروبولوجيا وعلوم الحفريات الأثرية {الإمبريالية} حديث كذلك، حيث تشير الثقافة في هذه العلوم إلى مُنْتَجٍ مادي، وإلى تأريخ إمبريالي، وباتت تشير مؤخرا إلى دراسات ثقافية يدل فيها المصطلح على نظم إنتاج رمزية ودلالية. ومع ذلك، يرى ويليامز ضرورة أن يربط الباحثون بين هاتين الفكرتين عن الثقافة بدلا من التعامل معهما كنقيضين."(3)

نلاحظ أن كلمة culture في عالمها الإنجليزي حملت أكثر من معنى عبر حقب زمنية مختلفة، وليس من المستبعد أن تحمل معاني أخرى في المستقبل القريب أو البعيد، لربما لا يكون لها علاقة بما تحمله من معاني حاليا أو بما حملته من معاني في الماضي البعيد أو القريب. وما ينطبق على كلمة culture في بيئتها الإنجليزية قد ينطبق على الكثير من الكلمات في أية بيئة أخرى عموما، لا سيما العربية منها. وهذا يقودنا إلى استنتاج منطقي لربما يتحول إلى إستنتاج تاريخي وواقعي، وهو أن الكلمة لا تنفرد بمعنى واحد على طول الزمان، مما يعني أن المعنى الذي تحمله الكلمة ليس جوهرانيا بحد ذاته وليس ثابتا خالدا في كينونته منذ أن (نُطِقَت/لُفِظَت) لأول مرة الكلمة التي تشير إليه أو تدل عليه أو تحمله. وهنا قد تكون الطامة الكبرى بالنسبة لمعظم بل أغلب رجال الدين، أي دين كان؛ فهم على الأرجح لن يتقبلوا فكرة أن الكلمة لفظا ودلالة خاضعة هي الأخرى لقوانين التطور إن صح التعبير. بمعنى آخر، مثلما أقام أغلبية رجال الدين الدنيا وأقعدوها على وقع نظرية التطور التي جاء بها داروين؛ فإن معظم رجال الدين الحاليين لربما لن يعجبهم قولي بان الكلمة الفلانية في كتاب الدين الفلاني لربما كانت تعني معنى آخر حينما نزلت وحيا على هذا النبي أو ذاك غير المعنى الذي على أساسه أقمتم هذا الحكم الديني أو ذاك. ولعلني لا أغالي إذا ما قلت أن الكلمة لفظا ودلالة هي في سيرورة و/أو صيرورة متقطع(ة)/(تين) لا تثبت على حال دائما ولا تستقر على هيئة أزلا أبدا.

كان العرب قبل الإسلام يصفون الشاعر بأنه «مجنون». ولفظة «مجنون» آنذاك لم تكن تعني ما تعنيه اليوم من ذهاب العقل أو فساده؛ بل كانت تعني: مسه الجن! يقول أ.د.أسعد دوراكوفيتش في هذا الصدد: "إن الصفة التي استعملها العرب قبل القرآن الكريم مع كلمة شاعر هي النعت «مجنون» (ممسوس). {هذه الصفة تحمل دلالات سلبية اليوم، لكن دلالاتها في ذاك الوقت كانت إيجابية}. أي، إن كلمة «مجنون» (ممسوس) هي إسم المفعول المشتق من الجذر جنّ، الذي يعني «مسّه الجن». لقد كانت الحالة العقلية الممتازة للشاعر التي تمسّه (تتملكه) فيها قوى خارقة للطبيعة -الجن- هي التي تمنحه، بشكل مزعوم، الإلهام فوق البشري. فالإلهام كان حالة غير طبيعية، بحيث إن كلمة شاعر كانت تُعْتَبَر، وفقا لذلك، غير مألوفة وخارقة للطبيعة."(4)

ومما يجدر ذكره في السياق ذاته أن كلمة «العبقرية» في بيئتها العربية "منسوبة إلى وادي عبقر الذي كان عرب الجاهلية يعتقدون أنه وادٍ مملوء بالجن"(5) هذا ويظن د.علي الوردي أن كلمة «Genious» في بيئتها الإنجليزية "مأخوذة من كلمة (جني) العربية "(5)

لنأخذ مثالا آخر. أنظر كلمة «احتضرنا» في بيت الشعر التالي الذي يعود إلى القرن التاسع عشر الميلادي على وجه التخمين لا التعيين:

دعانا شيخنا {واحتضرنا}*الشيخ شيَّال الحمول الثقيله(6)

في الوقت الحاضر، تعني كلمة «احتضرنا»: شارفنا على الموت. لكن كلمة «احتضرنا» في بيت الشعر أعلاه تعني: حضرنا. وشتان ما بين «شارفنا على الموت» و«حضرنا»! فهل يمكن القول أن المعنى الدارج هذه الأيام «شارفنا على الموت» لكلمة «احتضرنا» هو خطأ شائع؟

خلاصة الأمر: يمكن القول أن للكلمة لحظة ولادة، ومثلما أن للإنسان جسد وروح ساعة تكوننه؛ فللكلمة لفظ ومعنى لحظة تُنْطَقُ لأول مرة. واللفظ والمعنى ليسا جوهرانيين ثابتين مطلقين وحيدين للكلمة، بل هما في سيرورة و/أو صيرورة متقطع(ة)/(تين)، أي أن أحدهما على الأقل أو كلاهما قد لا يتغير/ان في مرحلة زمنية معينة بتغير الظروف السياسية و/أو الإقتصادية و/أو الإجتماعية و/أو الثقافية و/أو الفكرية و/أو الحياتية للناطق بها، لكن أحدهما على الأقل أو كلاهما قد يتغير/ان آجلا أم عاجلا في فترة زمنية محددة بتغير بعض أو كل الظروف السالفة الذكر. وقد استخدمنا التعبير المجازي «لحظة ولادة» كي نتحاشى جدلا بيزنطيا قد ينشأ فيما لو قلنا أن للكلمة «أصل»، والفلك الذي لربما يسير فيه هذا الجدل البيزنطي هو: هل أن وجود الكلمة كائن قبل أن يطفق بها اللسان لأول مرة؟ أم هل أن للكلمة وجود كائن لحظة ينطق بها اللسان لأول مرة؟

ملاحظات:
1) الكاتب يعتمد صحة المعلومات الواردة في النصوص المُقْتَبَسَة حتى يرد ما يختلف عنها في أي مصدر و/أو مرجع آخر غير الإنترنت.
2) ما بين العلامتين [...] إضافة من الكاتب على النصوص المُقْتَبَسَة لغرض التوضيح و/أو التصويب.
3) العلامتان {...} خطان أحمران من الكاتب للتشديد على أهمية المفردة و/أو العبارة.

هوامش المقال:
(1) كتاب (أسطورة الأدب الرفيع)، لمؤلفه د.علي الوردي، شركة دار الوراق للنشر المحدودة، الطبعة الثالثة (2015)، ص(298)
(2) كتاب (تاريخ الجراحة عند العرب)، لمؤلفه د.عبد العزيز اللبدي، طبعة (1991)، دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان، ص(49)
(3) كتاب (إشتهاء العرب)، لمؤلفه جوزيف مسعد، ترجمة إيهاب عبد الحميد، مراجعة لغوية وتحقيق محمد عبدالكريم أيوب، الطبعة الثانية (2014)، دار الشروق، ص((20
(4) كتاب (من الإستشراق إلى علم الشرق) لمؤلفه أ.د. أسعد دوراكوفيتش، ترجمة: عدنان حسن، مراجعة وتقديم: أ.د.صلاح جرار، الآن ناشرون وموزعون، طبعة (2019) م، ص(62)
(5) كتاب (خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة) لمؤلفه د. علي الوردي، دار الوراق للنشر، الطبعة الثانية (1996)، ص(68)
(6) كتاب (التراث الشعبي الأردني في مدينة المفرق وجوارها)، لمؤلفه د. عبدالله مطلق العساف، وزارة الثقافة الأردنية، الطبعة الأولى (2019)، ص(37)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :