facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




وادي عسال .. أكثر المسارات البيئية نقاءً (صور)


عبدالرحيم العرجان
14-08-2021 09:02 AM

وادٍ اسمه يشّدُّكَ لزيارته منسوباً بمعاناةٍ لجاني العسل، وهو أطيبُ أطعمةِ أهل الأرض، فوعدُ السماءِ للصالحين من أهل الجنة، بالرغم من أنه من سلسلة أودية وشعاب البحر الميت غربية الاتجاه، إلا أن فيه من السحر ما يكفي للعودة إليه.

انطلقت رحلتنا مع الساعات الأولى من النهار بعد متابعتنا لدرجات الحرارة المتوقعة، والتي سوف تلامسُ الخمسة والأربعون مئوية، حتى نكسب الوقت للوصول لشلالٍ، أعلى نقطة استراحتنا الرئيسية وقت الظهيرة، وبلوغ حرارة الذروة، لنبدأ المسير من مصب البحر الميت 416م تحت مستوى البحار، والمقابلة لأحواض تجفيف الملح من مدخله الواسع، الذي أخذ يضيق كلما توغلنا فيه عابرين فوق صفائحٍ صخريةٍ، تشكلت بتراكمها عبر عصورِ التكوين، كطيات الكتب التي تجدها بين الغراميل الرملية والتي تختلف بتكوينها من فصلٍ إلى آخر، وجلاميدٌ صخرية قد حفر المجرى فيها أخاديدٌ ملساء لمجراه، وما تركه السيل من قنوات بعد أن تغير اتجاهه بذكاء الطبيعة وإرادتها، متخللين صخورٌ تعلقت بثبات بين فجيه المتطابقيّن.

وبين طرفيه انتصبت أعمدةٌ ومخاريطٌ من التراكمات الجيولوجيا التي قلّ نظيرها في الأوديةِ المجاورة وأضخمها ما كانت ببداية الصدع كالبوابة الفاصلة بين مرحلتين، حيث تُعرَف ببوابة الوادي لتتغير المشاهد والتكوينات بعدها، وقد تبين فيما بعد أن ما ينبت فيه أصبح مختلف معظمه.

لم يكن التباين بالارتفاع يتجاوز بضعة درجات انحدار، ولكن كان يصادفنا من المساقطِ المائية والشلالات التي تشكلت فوق أدراج الصفائح وما انحسر بفعل الانهيارات الموسمية، مما يجعلنا نلتَفُ حوله بعد استراحةٍ تحت مسقاط مائها الباردة، والمُذهِلُ أن تصادف شلاليّن بمصدريّن؛ إحداهما حار معدني والآخر بارد، حيث يتجاورا معاً بنفس النقطة، وهناك كانت الاستراحة الأولى لتبريد أجسادنا، وفنجان القهوة الذي غليناه بعد جمعنا الحطب من الوادي.

التففنا حول المسقط عبر سلسلةٍ من صخورٍ ملساء، وصولاً للمسقط الثاني الذّي لم يَقِل روعةً عن الأول، وأكبرُ ارتفاعٍ وشدة انهمار نتيجة ما يغور بالأرض من ماءٍ بينهما، وما زاد حسنه جمالُ ما نبت حولَهُ من الدفلى، وتعلقه بالنخيل بين الشقوق الذي أبَى أن يبقى باسقٍ لاتجاه النور والشمس.

ومن بعد المسقط بدأت الطبيعة بالاختلاف لندرة الواصلين للمكان، وعدم وجود آثار أقدام، لتحديد المسار والكثافة العالية لنبات القصب المخيم، وتشابكه مع الدفلى بين حديّ الوادي، وهنا كانت مهمتي وهي أن أقوم بدور الكشاف للطريق الذي يمرر المعلومة لقائدِ المجموعة بنقاط المسير الآمنة وبه تقتدي بقية المجموعة، مع أننا خمس رحالة، إلا أن نظام المسير يستوجب ذلك لتحقيق الهدف بنجاح، وكان حذرنا الأساسي من وجود أفاعٍ.

طلبتُ شيئاً من البرودة بين ما جفّ وتكسر من أعواد القصب فوق الماء، وبالنسبة لي اعتبرها الأصعب والأجمل في المسار فبين النباتات وعلى أغصانها بنت كثيراً من الطيور أعشاشها بأشكالٍ مختلفة لشعورها التام بالأمان.

ودوماً هناك طرق إخلاءٍ فمن الجنوب حيث يوجد الصدع بعد المرور بالشعاب وصعود الجبل، يوجد طريقُ معبد، يصلُ لبلدة كثربا وعي الأقرب لنا ومن بعدها جوزا حيث تقع على المشارف والسفوح من نواحي الكرك.

وبعد هذه المرحلة أصبح المسير خارج المجرى كالسائر فوق الجمر من شدة الحرارة، مع انتصاف النهار؛ فلم نكن نخرجُ من الماء إلا ما ندر، وهذا يتطلب منك أن تواضب على شرب الماء حتى لو لم تشعر بالعطش، وخير وسيلة لذلك قارورة ماء تُوضعُ بحقيبة الظهر موصولةٌ بخرطومٍ صغير، وصمامٍ يُعلِقُ على الكتفِ، كي لا تشعر بالعجز من نزع الحقيبة وتأخير الفريق، ويتوجب عليك أيضا ارتداء حذاءٍ مائيّ بنعلٍ مُخصص للمسير على الصخور الملساء خشية الانزلاق، وملابس ذات قماش سريع الجفاف وقبعة دائرية كبيرة ويفضل ذات غطاء للرقبة من الخلف.

وبعد مسير إحدى عشر كيلو بطبيعة بكر، تعد من الأنقى وتحمل كامل مقومات السياحة البيئية النظيفة، وصلنا لمبتغانا الشلال الأعلى بمرحلة المسار السفلي، ويبلغ ارتفاعه عشرة أمتارٍ، ويمكن تجاوزه بتعاون الفريق، حيث شكلت صخوره وتراكمها شكل درجٍ، إلا أنه يتوجب الحذر الكبير بكيفية تثبيت الأرجل ونقاط الارتكاز والتشبث، وهناك استراحتنا الطويلة، ووجبة الغذاء المعتمدة على الشطائر الخفيفة والفواكه، لنعود أدراجنا بعد تأمين نزول من قام بصعود الشلال.

ومع أن المسار أُحادي الاتجاه، ويشترك بنقطة البداية والنهاية، إلا أن المشاهدات تختلف لتغير منظور الطبيعة وتحاورها مع اتجاه الشمس، ومقاومة الماء التي تكون ضد مسار الشخص عند القدوم، وبعدها تصبح بنفس مساره، أما الاستمتاع مع كل مسقط مائي والانتعاش ببرودته فقد كان حدثٌ لا يوصف، ومن محاذير ذلك أن تبتعد عن مسار الماء قبل الشلال بخمسة وعشرين متر، كي لا تحرك الحجارة فتجرفها الماء وتسقط على من هو جالس أسفله حتى وأن صغرت، فهي مؤذية، وخشية الانزلاق بفعل العوالق أو عدم ثبات الصخور وهشاشتها.

وللمكان تاريخه المميز، حيث يعد من أقرب المعالم لكهف نبيّ الله لوط -عليه السلام-الذي يوجد "بدير عباطة" قرب متحفٍ أخفض بقعة في العالم، والذي يضم بعض اللقى الأثرية التي وجدت في الوادي وآثار قصة المكان؛ فقد يكون جزء من ديارهم فهو يستحق الزيارة.

وأيضاً بطريق عودتنا كان هناك مطاحن السكر والتي تعود للقرن الرابعة عشر والعائدة للعصر الأيوبيّ المملوكي، حين استثمروا هناك لانتاجهم الزراعي واستقطبوا لذلك مزارعين من السودان والنوبة، والتي تحتاج إلى كمياتٍ وفيرة من الماء وذكر ذلك ابن حوقل والحموي، وأشار إليه من المستشرقين بيركارد وفيلكس، أما حديثاً ففي عام 2001 كشفت التنقيبات عن وجود خام النفطة في نهاياته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :