facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة





رو ضد ويد


علي الزعتري
02-07-2022 11:38 AM

في النظام الأمريكي للحكم ثلاثة ركائز تعمل معاً و تراقب بعضها البعض باستقلالية متشابكة. نظامٌ يطلقون عليه تعريف "المساءلة و التوازن". الهدف منه تحقيق العدالة في ممارسةِ الحكم الديمقراطي بحيث لا يتسنى لركيزةٍ من الثلاث أن تتحكم في الاتحاد الأمريكي. ركائز الحكم هي الجهاز الإداري التنفيذي و التشريعي و القضائي و كلها تنقسم عمودياً ما بين الولايات كونها جمهوريات تدير كل شؤونها الداخلية و الاتحاد الفيدرالي كونها طرفاً فيه بالاختيار.

أعلى درجات الجهاز التنفيذي هي البيت الأبيض وأعلى جهازٍ تشريعي هو الكونغرس المتكون من نواب وشيوخ يمثلون دوائر انتخابية في كل الولايات بالنسبة للنواب و شيخين لكل ولايةٍ، و كلهم منتخبين مباشرةً من الناخبين. وأعلى جهازٍ قضائي هو المحكمة العليا ومقرها في واشنطن العاصمة. هم تسع قضاة يعينون مدى حياتهم و لا تنتهي مدة عملهم إلا بالتقاعد و الموت أو المرض العقلي المعيق عن العمل. يتم تعيينهم عبر ترشيحٍ من البيت الأبيض و يمر الترشيح بمجلس الشيوخ الذي يُجيزُ الترشيح أو يرفضه بناءً على عدة عوامل. العامل الأساس هو بالطبع القدرة و العلم و التكوين و الخبرة و علاقات المرشح المهنية و الشخصية و الخُلُوْ من الزَلاَّت مهما كانت. و العاملُ الأساس الثاني الذي لا يُذكرُ لكنه بائنٌ في الخلفية هو الانتماء الحزبي و مدى أثرِهِ على القاضي. هل هو محافظ أم متحرر؟ جمهوري أم ديمقراطي أم مستقل؟ و العامل الإضافي الهام هو العرقُ و الانتماء العقائدي و هما و إن في بلد الحريات لا يشكلان نظرياً جزءً من الحوار السياسي إلا أنه فيما يخص قضاة المحكمة العليا فلهما اعتبارٌ هام.

قبل ساعات وافق مجلس الشيوخ على تعيين أول سيدة أمريكية سوداء اللون قاضيةً للمحكمة العليا. و قبل سنوات عين قاضيةً من أصول لاتينية رشحها الرئيس أوباما. و كان القاضي الأمريكي الأسود ثيرغود مارشال قد خدمَ في مركزه منذ عينه الرئيس ليندون جونسون عام ١٩٦٧ ولغاية عام ١٩٩١ حين تقاعد. و كان من أعمدة حركة المساواة للسود مع مارتن لوثر كينغ. و اليوم تضم المحكمة العليا تسع قضاة عينتهم إدارات بوش الأب و الإبن و ترمپ و أوباما وبايدن بأغلبية الثلثين للجمهوريين. ستة بيض و اثنين سود وواحد لاتيني الأصل.

يتعانى الرؤساء و الكونغرس لترشيح و قبول قضاةٍ يميلون لرؤاهم السياسية فيما يتعلق بالداخل الأمريكي حصراً وفيما يتعلق بالحقوق المدنية و نصوص الدستور الأمريكي و التعديلات التي خضع لها. و حيثُ تؤخذُ قرارات المحكمة العليا بالتصويت فإن لهذه التعيينات و الرؤى أثارٌ بالغةَ الأهمية على مسار المجتمع الأمريكي و كل أنشطتهِ و أعمالهِ و حُرياتهِ. خاصةً و أن قرارات المحكمة لا استئناف فيها و لا يمكن عكسها إلا بقرارٍ من المحكمةِ ذاتها وعبر قضيةٍ مرفوعةٍ أمامها.

نعود لقضيةِ "رو ضد ويد" و هي قضيةٌ نالت حكماً من المحكمة العليا عام ١٩٧٣. و من غير الدخول بتفاصيلها فإن الحكم فيها أعطى المرأة في الولايات المتحدة الحق و حرية التحكم بجسدها بما في ذلك حقها إجهاض الجنين و أنه حق دستوري يخضع لحماية الحكومة الفيدرالية. ينبغي التذكير أن القرار صدرَ في فترةٍ زمنيةٍ حرجةٍ لأمريكا حين كانت تبعات حرب ڤيتنام قد انتقلت للداخل الأمريكي تظاهراتاً ضدها و تهاوت السياسات و القوانين التي ميّّزتْ ضد السود في بعض الولايات و انطلقت ما تعارف عليهِ التاريخ بالثورة الجنسية. لم يرق هذا القرار الأعلى قضائياً و الذي صار قانوناً و حقاً دستورياً لكثيرٍ من الولايات و الجهات و دارت حربٌ متعددة الأوجه بين المعارضين و القانون حين تعرَّضت عيادات الأجهاض للاعتداءات المسلحة و القتل للعاملين فيها و شنت الكنائس المحافظة خاصةً في الجنوب الأمريكي حملاتٍ متوالية ضد قتل الحياة و سارت المظاهرات و كُتِبتْ المقالات تؤيد و تعارض. لكن القرار سادَ على الحياةِ الأمريكية من حيث جعل الإجهاض حقاً ذستورياً تحميه الحكومة الفيدرالية حتى قبل أيام عندما قامت المحكمة العليا بنقض القرار السابق في "رو ضد ويد" و سحبت من حق الإجهاض دستوريته و الحماية الفيدرالية و أعادته للولايات كل حدة و لممثليها المنتخبين. سياقُ اليوم غيرَ سياق ١٩٧٣ فالمحكمةَ اليوم يجلسُ على منصتها ست قضاةٌ محافظين تم تعيينهم عبر السنين من قِبّلِ إدارات بوش الأب و الإبن و ترمب و ثلاث قضاة عينتهم إدارتا أوباما وبايدن. و قد تم اتخاذ القرار بأغلبية خمسة من المحافظين على الثلاثة المعينين من أوباما وبايدن الذين اعترضوا على رأي زملائهم القانوني و لم يُبْدِ رئيس القضاة رأيه و إن لن يؤثر على القرار الحائز على الأغلبية. تبعات هذا القرار هي التشديد في منع الإجهاض في الوسط و الجنوب الأمريكي المتسم بالمحافظة والولاء الجمهوري مع أن مؤيديه سيبذلون جهودهم للإتيان بأغلبيةٍ نيابيةٍ تتيح إقراره على مستوى الولاية و فرص نجاح هذا ضئيلةٌ جداً.

ما يهمنا في هذا القرار ليس قانونيته من سواها فلا يعنينا هذا ضمن السياق الأمريكي البحت اللهم إلا بما يتعلق بمبدأ منع قتل الحياة البشرية. والاجهاض هو فِعلٌ قاتلٌ للجنين الحي في الإسلام و المسيحية ما لم يكن هناك أسبابٌ طبيةٌ تسمحُ به طبياً لكل حالةٍ على حدة للحفاظ على الحياة للأم. فما يهمنا هو التناقض الظاهر في المنظومة الأخلاقية التي تبيح الحرام ديناً و عُرفاً، و كذلك تسمح بحمل السلاح الظاهر والمخفي، حتى في المدارس، باسم الحرية و الدفاع عن النفس كحق دستوري، و تنقض حق الإجهاض، و هذا فِعْلٌ حرام كما ذاك. تبسيطاً للمسألة، فإن للمرأة ممارسة الحرية و الحمل خارج الزواج و لا تستطيع إجهاض جنينها، ليس لأن الفعل الذي أتى به كان خارج القانون الزواجي بل لأن حماية حق الإجهاض ليس دستوريا بنظر المحكمة اليوم و لا واجب الحماية على المستوى الفيدرالي. ويسري هذا على المرأة المتزوجة كذلك. و لا تنظر المحكمة بمنع الشذوذ و البغاء و الإباحية و بيع السلاح لأنها من الحريات المكفولة دستورياً. تبدو المسألة صراعاً بين الحرية و تقييدها و لكنها أعمق من ذلك. فهي صراعٌ ديني لحد كبير تغلفه المجادلات القانونية. لكنه ليس صراعاً سيسمح بعودة أي نوعٍ من التصور الديني أو على الأقل الأخلاقي المصحح أو المعيق أو المانع المعاقب لمثالب الحياة الحرة التي يمارسها المواطن هناك خاصةً فيما يتعلق بالأخلاق العامة و العلاقات الشخصية المحرمة. هو صراعٌ يبدو بمسألة الحريات و لكن قرار المحكمة في جوهره يعيد منحها أو تقييدها للمؤسسة الديمقراطية والانتخابات في الولايات و يأخذها من الحكومة الفدرالية و هذا بحد ذاته هو خلافٌ بين الجمهوريين الذين يريدون قصقصة جناح الحكومة الفدرالية و الديموقراطيين المتهمين بدعم التدخل الحكومي وكلاهما يعتدُ بحرية الفرد و رخائه . و هنا مفارقةٌ إضافيةٌ و هي إعادة أمر خلافي لأساسه الديمقراطي حسب الدستور والأساس له هو الشعب بالولايات وممثليه النيابيين و التنفيذيين و القضاء الولائي. هو قرارٌ قانونيٌ بخلفياتٍ حزبيةٍ لها أصولها الدينية و رغباتها المغلفة بالديمقراطية و التوجهات الحزبية.

و كذا السياسة الامريكية في كثيرٍ من المجالات. ديمقراطيةٌ و حريات تقابلها ظُلُماتٌ. إن حزبين أمريكيين يقرران بالفعل مصير دولٍ و شعوب، و للأسف أن لا محكمة في العالم، مثل المحكمة العليا الأمريكية، ستنظر في قضية "العالم ضد الظلم" لأن الجاني والقاضي في ظل القطبية الأحادية هو واحد.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :