شيخ المؤرخين الدوري في ذاكرة التاريخ .. ثناء ووفاء * د.محمد القطاونة
23-11-2010 01:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شيخ المؤرخين عبد العزيز الدوري في ذاكرة التاريخ
ثناء ووفاء
فضائل الرجال ليست ما ادعوها ، ولكن ما نسبها الناس إليهم،ولشيخنا الكبيرعليّ حقين ، حق لعلمه وحق لفضله ، فعلمه غني عن التعريف وللعنوان دلالته ، وفضله غامر غمر به كل من تتلمذ عليه أو قرأ كتابا إليه ، وقد يسر الله لي المطلب يوم ألقيت رحلي بفنائه ملتمسا علمه بدراستي على يديه سبع مواد من أصل ثمانية من متطلب الدكتوارة في الجامعة الأردنية ، فقد استرقني بفضله ومن تفضل عليك فقد استرقك ، وقد كتبت أحسن ما قرأت وحفظت أحسن ماكتبت وتحدثت أحسن ما حفظت وله علىّ أن انعيه بأحسن ما قرأت وحفظت وكتبت وتحدثت ، وسأختار لكريم الرجال كريم المقال .
جاز الثمانين من عمره رحمه الله، ومعترك المنايا بين الستين والسبعين وكأني به كما قيل:
جزت الثمانين من عمري و أحوالي وفقت في العمر أعمامي و أخوالي
ما عاش ما عشت منهم واحد فلقد خصصت من ربي المسدي بأفضالي
فضل من الله أن يطول عمره ويحسن عمله ، وقد وتفضل على أمته بعطائه مما أعطاه الله من فضله علماً وأدباً إلى أن مضى طاهر الأثواب والأقوال والأفعال والمواقف، أوتدرون في أي يوم مضى ؟ مضى سيد الرجال في سيد الأيام ، يوم الجمعة ، مضى أبو زيد في يوم المزيد ، وقد أخبر جبريل عليه السلام الحبيب محمد صلى الله عيه وسلم بقوله : " إن الجمعة هو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه يوم المزيد، فيه يتجلى الله لعباده حتى ينظرون إلى وجهه ثم يقول : أنا صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فيسألونه ويسألونه حتى تنتهي رغبهم" ، وكان رسول الله (ص) إذا أرسل بريداً أو سفيراَ أرسله حسن الوجه حسن الاسم وهذا مدعاة للفأل الحسن ، فقد كان أبو زيد حسن الوجه وضاءه ، حسن الاسم ، والموت حق وتفاءلنا بوقت فراقه يوم الجمعة ففي الحديث : " من مات يوم الجمعة جاء وعليه طابع الشهداء ووقي فتنة القبر وختم له بالإيمان ، ولن نتأله على الله فحاشا لله ، ولكن نحسن الظن بالله ، وفي الحديث: " أنا عند حسن ظن عبدي بي ".
كم حدثنا الدوري عن عمر بن عبد العزيز وكان موته يوم الجمعة ، والواقدي كان موته يوم الجمعة ، وكذا أحمد بن حنبل وكثير من الصالحين نرجو الله أن يكون فقيدنا منهم .
وذا كانت الدنيا تجود لتسلب وتعطي لتأخذ وتجمع لتشتت وتزرع الأحزان ، أو ليس الدنيا لقاؤها فراق وعرسها طلاق إن أقبلت ففتنة وان أدبرت فمحنة ، فعلام الجزع ؟ وإذا كان العزاء للرجال والجزع لربات الحجال ، فلم نجزع لفراقه فقد علمنا الحزم والعزم ، ولو كان الجزع يرد فائتاً أو يحي تالفاً لكان مذموما ، وشيخنا ركب الحزم وتدرع بالعزم وهما ركنا الصبر ، وترك العجز وبعد عن الهوى لاعتقاده أن الهوى آفة المؤرخ وضمَن ذلك منهجه في التاريخ ، فقد غلب نفسه على ما ظن ، ولم تغلبه نفسه على ما استيقن ، وإذا كان أفضل الأشياء أعاليها فشيخ المؤرخين دوريها. ففي كل قطر من كتبه أنجم وفي كل جيد من أياديه أنعم
نعمة العلم لا نعمة المال.
وجميل أن يجمَل الكلام بآي من القرآن ، أو شيء من الحكمة أو الشعر فان ذلك يورث الكلام بهاءً ووقاراً ورقةً وحسن موقع ، كما أورث الدوري تلاميذه حب البحث والتحري وقد لا يروق ذلك لبعض المؤرخين ويعتبرونه خلطا ، وقد قال خالد القسري لعمر بن عبد العزيز- وهذا الكلام يهواه الدوري رحمه الله – : "من كانت زانته الخلافة فقد زنتها، ومن شرفته فقد شرفتها"، فقال عمر : " إن صاحبكم أعطي مقولا ولم يعط معقولاً " والدوري زان التاريخ وشرفه بمنهجهه .
وإذا خانني ثنائي فله مني صالح وصادق دعائي ، فيا راحة الأرواح عللي روح الشهيد بشربة من الكوثر . .
وكما خرجت البصرة مودعة بصريها فقد خرجت عمان تودع عالمها وشيخها وضيفها ، ودعته شعبيا ورسميا ، وهل بقاء الدنيا إلا بسيوف الأمراء ولسان العلماء . أما انتم يا محبيه أهله وأقرانه وتلاميذه فلا يغلبنكم يأس لعل الدهر بما شج يأسو ، وما ضر أبا زيد أن تبكيه الأمة .
فكم من نائحات للنحور ضوارب وكم من باكيات للخدود لواطم د
والنوح واللطم منهي عنه ، وبكاء العين مباح الم يقل ابن الخطاب " وما بال النسوة أن يبكين أبا سليمان رحم الله أبا بكر لقد كان اعلم مني بالرجال " جدل تاريخي أثير حول خالد بن الوليد وطالما ارشد الدوري طلابه للبحث والتحقيق ومقارنة المصادر .
وما انفرد شيخنا برأيه بل كان يحترم الآخر وان كان طالب علم ، وطالما راجع قوله وعرضه على عقله ، وكلام الشباب غير كلام المشيب ، ولا يمنعه قولا قاله أن يعيد النظر فيه ، ومن ابطىء به عمله لم يسرع به نسبه ، وكلمة الأمة واسع مدلولها وسعت العربي والعجمي والأسود والأبيض ولكن تبقى قريش ذروتها وما ذكر اسم عشيرة في القرآن غيرها .
فان لم يكن في العرب أصلي ولا من جدودي يعرب وإياد
فقد تسجع الورقاء وهي حمامة وقد تنطق الأوتار وهي جماد .
وفي بغداد التي حوت الجميع وبها ترجمت كلمة الأمة وقف أعجمي لكنه مسلم أمام المنصور قائلاً : " إن كانت العربية بالإسلام دخلناه وان كانت باللسان نطقناه " وتراث بغداد ونهضتها العلمية وتراث المصرين قبلها البصرة والكوفة رسم التاريخ بعطائه العلمي والأدبي ، وفي هذه البيئة وفي بغداد ولد الدوري وعلى ثراها درج ومن علمها نهل وفي جامعتها رأس وخدم ، وغادرها راغبا أو غير راغب ، ولكن قد يهون العالم في بلده عندما يكون الأمر عند من يملكه لا من يبصره والكلام إن لم يبلغ الإفهام يكن للبعض فتنه ، ومع هذا لم يفارق حب بغداد فقيدنا فمن فراتها شرب قبل أن تتعكر موارده وكأني به يقول :
ويا عراق إن جراحي لاضفاف لها فمسَح يارشيد عن أمتي النصبا .
الدوري أسد طوق جيد أمته بعقود من ذهب ، وسبقت هيبته كلمته وقد زرع هيبته في نفوس طلابه ، وكانت مداعبته لطلابه يضعها في إطار تاريخي وقد قال لنا يوما ونحن نقدم اختبارا وقد هم بالخروج لحاجة " من أراد أن يغش فليشر إلى المصدر الذي غش عنه " وكثيرة هي نعمه ومننه .
فكم له من نعمة من غير ذكر وكم له من منة من غير منّ
أما انتم يا آله فان صبرتم ورجعتم " إنا لله وإنا إليه راجعون "جرى عليكم القلم وانتم مأجورون وإياكم والجزع فما أوتيت أمة محمد أجمل من الصبر داعين الله أن يأجركم في مصيبتكم ويخلفكم خيرا منها ولاحول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون .
* د.محمد عبد العزيز القطاونه