facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل أنت إنسان شحيح؟!


كمال ميرزا
09-06-2023 03:01 PM

في نهاية هذا المقال تمرين ذاتي بسيط كي يستطيع كلّ شخص الحكم على نفسه بنفسه ما إذا كان إنسانا شحيحا أم لا.

ولكن قبل الانتقال إلى التمرين لابد من شيء من التمهيد.

الإنسان الإستهلاكي هو إنسان شحيح!

للوهلة الأولى قد يبدو هذا الكلام متناقضا، فالإنسان الإستهلاكي مسرف ومبذّر بالضرورة، فكيف يكون الشخص مبذّرا وشحيحا في نفس الوقت؟!

الإنسان الاستهلاكي شحيح لأنّه يبخل في الإنفاق على الخير (أشحة على الخير)!

الإنسان الاستهلاكي على استعداد لأن ينفق ويبذّر ويغدق على كل ما هو استهلاكي، أي كل ما هو شهواني وغرائزي واستعراضي وتفاخري ويرتبط بنمط الحياة "العصري" و"الفردوس الأرضي" الذي تروّج له السوق والإعلام والإعلانات التجارية.. بل وهو على استعداد للاقتراض وتحميل نفسه أعباء الديون والقروض من أجل الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك.

ولكن عندما يتعلّق الأمر بـ "الخير"، أي ما ينفع الناس (وينفعه) ويمكث في الأرض، فتجده شحيحا بخيلا منوعا!

قد يفترض البعض أنّ هذا الكلام ينطبق فقط على المقتدرين والأغنياء الذين يصل لديهم الاستهلاك حدّ البطر والبذخ، ولكن لا، الاستهلاك وشهوة الاستهلاك أصبحت ثقافة عامة وطاغية تشمل أفقر الفقراء قبل أن تسري على المقتدرين والأغنياء.

وعندما يصبح الاستهلاك "ثقافة" سائدة في المجتمع، فإنّه ينسحب على "منطق" الأشخاص ومنظومة "قيمهم" التي تحكم "الحسابات العقلانية" التي يقومون بها قبل حسم قرارهم بالإقدام على سلوك معيّن أو الإحجام عنه، ومن ضمن ذلك سلوك الإنفاق.

ويمكّن تلمّس مظاهر ذلك العملية في أبسط الممارسات والمشاهدات اليومية.

على سبيل المثال، من خلال احتكاكي اليومي مع اليافعين والشباب، تجد واحدهم يتردد مئة مرة قبل أن يحسم قراره بشراء كتاب ما مع أنّه يرغب باقتنائه، ومنها كتب مقررة مطلوبة منه بحكم دراسته، ولكنه لا يتردد بعدها بلحظات في صرف نفس سعر الكتاب، بل وضعف ذلك، من أجل شراء وجبة سريعة، أو الجلوس في "كوفي شوب" مع أصدقائه، أو ما شابه ذلك من أوجه الإنفاق.

الدال في الموضوع، أنّ هذا اليافع والشاب، وفق المنطق والمعايير التي تشرّبها وتحكم تفكيره وسلوكه، يعتبر إهدار نقوده من أجل اقتناء كتاب (سيبقى لديه للأبد) "صفقة خاسرة"، في حين أنّ تناول وجبة سريعة (سرعان ما سيهضمها) أو سحب نفس أرجيلة (سرعان ما سيحترق) "صفقة رابحة"!

والأدهى والأخطر، أنّ مثل هذه المظاهر ومثل هذه "الحسابات العقلانية" تشي بأنّ فكرة "إرجاء الإشباع" التي يعتبرها الكثيرون شرطا للمجتمع والتضامن والانضباط والحضارة.. هي فكرة تخبو وتضمحل وتتلاشى شيئا فشيئا!

بالعودة إلى التمرين المشار إليه في بداية المقال، هذا التمرين يقوم على سؤال بسيط: هل أنت على استعداد لأن تنفق في الخير نفس المقدار الذي تنفقه على رغباتك وملذاتك وشهواتك وتفاخرك واستعراضك؟!

اسكر كما تشاء، سنغض البصر هنا عن حرمة سلوك السكر، هل أنت على استعداد لأن تتصدق لفقير أو تتبرع لفعل خير بنفس المبلغ الذي تنفقه على سكرتك؟!

دخّن وحشّش كما تشاء، هل أنت على استعداد مقابل كل باكيت دخان وسيجارة حشيش أن تتصدق بمثل سعرها؟

اذهب وطش، وسافر، وشم هوا، وانبسط، وزبّط كل نسوان الدنيا (وإذا كنتِ فتاة زبّطي كل رجال الدنيا)، ولكن هل أنت على استعداد لأن تتصدّق بمثل مبلغ طشتك وسفرتك وتزبيطك لفعل الخير؟!

اشترِ رقم هاتف مميّزا..
اشترِ آخر موديل هاتف ذكي مع أنّ هاتفك الحالي يعمل بكفاءة ولا يشكو من عيب..
اشترِ كل ملابس ومكياجات وعطور وإكسسوارات ومجوهرات الدنيا..
زُر كل الأماكن وكُل واشرب في جميع الكافيهات والمطاعم..
اشترِ رقما مميزا للوحة سيارتك..
اشترِ أغلى سيارة في العالم..
عمّر أغلى فيلا في العالم..
أقم أضخم وأفخم عرس أو احتفال أو وليمة أو حفل تخرّج..
اشترِ لأطفالك وأحفادك أشهى وأغلى السكاكر والشوكولاتات والأشباس والحلويات والألعاب والهدايا والملابس..
الخ..
الخ..
الخ..

ولكن هل أنت على استعداد مقابل كل قرش تصرفه هنا أن تتصدّق أو تتبرّع أو تهب قرشا هناك، أو على الأقل تمنحه دَيْناً ميسّراً أو "ميّتا" لفك زنقة قريب أو عزيز؟!

حتى أنا كاتب هذه السطور، عندما أفكر بهذا التمرين، أشعر بضيق وثقل هائلين يجثمان على صدري رغم اقتناعي بمنطقية السؤال ووجاهته وإنصافه وإفحامه!!

لهذه الدرجة نحن شحيحون، ولهذه الدرجة الثقافة الاستهلاكية مستحكمة منّا وتمثّل "مرجعية نهائية" لنا أدركنا ذلك أم لم ندركه!

قد يحاول البعض نفاق نفسه وتبرير شحّه فيقول: ولكن أنا ملتزم بأداء زكاتي وإعطاء الصدقة وتقديم التبرعات!

أولا، أداؤك للزكاة لا يعني أنّك لستَ إنسانا شحيحا، فالزكاة ليست أمرا طوعيا، هي واجب عليك أحببت ذلك أم لم تحبّه. وهي ليست منّة أو فضلا تمنّ بهما على الله وعلى الناس. كما أنّ نسبة الزكاة المفروضة لا تبلغ "من الجمل إذنه" قياسا بحجم النصاب والفائض والثروة لديك!

ثانيا، ما هو مقدار الصدقة التي تعطيها؟ هل تبلغ واحد على ألف من المال (والوقت والجهد) الذي تبذله على استهلاكك وشهواتك وملذاتك؟ وما هي تكرارية هذه الصدقة؟ هل تقوم بإعطاء صدقة في كل مرة تنفق وتصرف وتبذّر على سلوك استهلاكي؟

ثالثا، نفس الكلام ينطبق على تبرعاتك، ما هو مقدارها وما هي تكراريتها؟ والأهم هل تعطيها في السر أم العلن؟ وهل أنت على استعداد لأن تتبرع كـ "شخص مجهول" أو "فاعل خير" دون الإفصاح عن هويّتك أو الإعلان عن ذلك على الملأ؟

حتى لا نصعّب التمرين، لا دعي أن تكون النسبة 10:10 فلتكن النسبة 10:5، أو حتى 10:1، بمعنى مقابل كل عشرة قروش تنفقها على ملذاتك وكمالياتك و(مظرطاتك) الاستهلاكية (وليس الأساسيات)، أنفق قرشا واحدا على الخير ولو على نفسك وأهل بيتك!

ومع هذا، سيبقى التمرين صعبا للغالبية، حتى لو خفّضنا النسبة أكثر من ذلك، بكون الاستهلاك والشُح قد أصبحا يجريان في عروقنا كبشر هذه الأيام مجرى الدم، ويستوي في ذلك:

الفقير والغني..
والمتديّن وغير المتديّن..
والصالح والطالح..
والمتعلّم والمثقّف والأميّ والجاهل..
وصاحب الجاه والسلطان والمُلك والضعيف والمحكوم والتابع!





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :