facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا لم يعرض "باربي" في الأردن حتى الآن؟


د. موسى برهومة
15-08-2023 02:47 PM

الاستثناءات الوحيدة التي بموجبها جرى منع فيلم "باربي" تعود إلى بلدان شمولية أو "ثيوقراطية" يتحكّم فيها مشرعون يزعمون العلم بكلّ شيء، ورجال دين "وأحزاب" ينطقون باسم الله ، ويمنحون أنفسهم حقّ التدخّل في قضايا الذوق والأكل واللباس والمنام والمقام والاختيارات الفرديّة التي هي شأن ذاتيّ اكتسبه الإنسان بحريّته ونضال عقله.

ولأنّ الأردن دولة لا تنتسب إلى هذا الفضاء الخارج عن إيقاع التاريخ، وليست منعزلة عن الاشتباك مع الإنتاج الحضاريّ، فإنّ السؤال يبقى قائماً: لماذا لم يعرض فيلم "باربي" في الأردن حتى الآن؟

بالمناسبة، الفيلم لا يتورّط في التحيّزات الجنسيّة، (فهو عائليّ بامتياز) ويتقصّى مشوار الدمية "باربي" وهي تنتفض على صورتها المثاليّة، وتترجّل عن عرش الكمال. هاتان من الرسائل "الثوريّة" العديدة التي يفيض بها الفيلم السينمائيّ "باربي" الذي حطّم التوقّعات في دور السينما بإيرادات فاقت المليار دولار، منذ طرحه في التاسع من الشهر الماضي. وجاء بتوقيع امرأة هي المخرجة غريتا غيرويغ، ولذلك دلالة بالغة الأهميّة.

الفيلم مسكون بالأسئلة التي آن أوانها: لماذا لا تشيخ باربي، لماذا لا تموت، لماذا تبقى متمسّكة بصورتها "المملّة" المتّصلة بالشكل والطول والوزن ومقاسات الخصر والصدر؟ والأبعد من ذلك أنّ الفيلم يسعى إلى مصاحبة "باربي" (التي تؤدي دورها ببلاغة مارغوت روبي) وتدعيم قواها الأنثويّة في الانتقال من فتاة إلى امرأة، وهو ما ختمت به المخرجة، بطريقة بديعة، فيلمها بزيارة "باربي" إلى طبيب النساء.

هذه المراجعات الفلسفيّة لا تتّصل بإنتاج حكاية ترفيهيّة عن دمية صاغت وجدان الفتيات/ الشابات/ النساء منذ ستين عاماً. الفيلم يتخطّى، بطبيعته الروائيّة القائمة على السرد الواقعيّ، لا الرسوم الكرتونيّة، الإطارَ التقليديّ لهذه الدمية، التي تغادر مدينة "باربيلاند" الخياليّة، والتي تمثل المجتمع الأموميّ، نشداناً لإثبات حضورها في العالم الحقيقيّ، على أمل إنجاز جدارتها واكتشاف وعيها بذاتها.

وفي غضون ذلك، يستخدم الفيلم معاوله في: التمرّد على الصورة والطبيعة والمآل، نسف الفكرة عن "باربي" المهووسة بالتسوّق، واقتناء الأزياء والبيوت الفارهة، وانتشال "باربي" من التلكّؤ في الاشتباك مع الحياة.

وفي موازاة ذلك، ينشغل الفيلم بالشكّ في حزمة الأمان النفسيّ "الممنوحة" من السلطة الأبويّة، تفتيت جدران الذكوريّة (التي يمثّل جانباً منها صديقها كين (يؤدي دوره ببراعة الممثّل الكنديّ رايان غوسلينغ) التي تختصر النساء في الشكل الخارجيّ، من دون التحديق في كينونتهنّ المبدعة، وتحرمهنّ من الوظائف السياديّة، بل تترك مصير تقرير أمر هذه الدمية إلى الرجال، من المدراء التنفيذيّين لشركة (Mattel) التي ما زالت تنتج الدمية، بالعقليّة التسويقيّة ذاتها، مع خروج قليل على النص، كأن تَظهر "باربي" أكثر وزناً، أو أفريقيّة، أو تنطق بعض الحروف، أو تستخدم كرسيّاً متحركّاً. هذه "التغييرات الشكليّة" لا يكتفي بها الفيلم. إنه يرغب في نسف الصورة المطلقة عن "باربي" التي لا تهرم، ولا تصاب بتسطّح القدمين، ولا تسمن، ولا تتورّط في الحب، ولا تقلق، ولا تشعر بشبح الفناء والعدم.

بهذا المعنى تبدو صورة "باربي" الورديّة المألوفة عصيّة على الاستمرار في عالم المواجهات الكونيّة التي ترجّ الثوابت، وقد ظلت "باربي" في منأى عن العواصف طوال ستة عقود، حتى جاءت اللحظة التي تبدو فيها "باربي" عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات النساء التعجيزيّة: "عليك ألا تتقدّمي في السن أبداً، لا تكوني وقحة أبداً، ولا تتباهي أبداً، ولا تكوني أبداً أنانيّة، ولا تسقطي أبداً، ولا تفشلي أبداً، ولا تُظهري الخوف أبداً، ولا تخرجي عن الخط، أو عن الصراط الذي رسمه لك الآخرون (وهم في مجملهم من الذكور).

لا يبشّر الفيلم (ومن المؤكد أنه لا يسعى إلى ذلك) بالانقلاب الأنثويّ، واستعادة عرش النساء في العالم الراهن، لكنّه يخدش بعمق وصلابة هذا الستار الذكوريّ السميك الذي جعل معسكر اليمين (والرجال الجُوف) في الولايات المتحدة يهزأون بالفيلم ورسائله. لكنّ الهزء لم يصل بهؤلاء إلى حدّ منع الفيلم، على غرار ما دعا إليه مسؤولو شرطة الأخلاق، والرقابة على العقل، والوصاية على الذوق في بعض المناطق والثغور!

الفيلم يسعى إلى إعادة بناء منظومة النساء على نحو حيويّ وشبكيّ وفعّال وأكثر إشراقاً وتأثيراً من خلال الوعي بالأنا والآخر، والتخفّف من ثقل الصورة "المفخّخة" التي ترسمها لنا التوقّعات. تقول أغنية في الفيلم: "لقد سئمتُ من الركض بأسرع ما يمكنني/ أتساءل عمّا إذا كنت سأصل إلى هناك بشكل أسرع/ إذا كنت رجلاً"!!

"باربي" أعطت أجيالاً من الفتيات كلَّ ما حلمن به في الطفولة "الورديّة". ولعل الوقت حان، كما يقول الفيلم، لكي نمنح "باربي" ما نريد نحن، بوازع من حبّنا ووفائنا لها، ورغبتنا في تجنّب ضغوطات "الأيقونة".

وفي لقطة لافتة وشديدة الكثافة على ذلك، تلتقي "باربي" في موقف للحافلات بسيّدة مسنّة، فتقول لها إنها "جميلة"، فترد السيّدة بثقة واقتدار وبلا تباهٍ: "نعم، أعلمُ ذلك". صورتان متجاورتان نابضتان بالأسئلة وتوّاقتان إلى الرضى والعيش بسلام وامتنان للحياة بلا ندم، ولا إنكار، وبمعزل عن إكراهات الجمال المستحيل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :