حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عبدالله
المفتي تيسير ابو حيدر
13-02-2025 02:36 PM
في ظل ما يعصف ببلدي الأردن من محن وفتن، مع كل مواقفه الإنسانية المشرفة النابعة من عقيدته الإسلامية وانتمائه لعروبته ودفاعه عن قضايا الأمة بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص، وهذه المواقف ليست كلاما يقال بل هي مواقف تتجلى على الأرض فهي مواقف بينة واضحة كوضوح الشمس في كبد السماء لا ينكر رؤيتها إلا أعمى البصر والبصيرة أو جاهل معاند للحق، إلا أننا نجد من يشكك بمواقف الأردن تجاه ثوابت الأمة ومقدساتها، ويحرفون الكلم عن مواضعه.
خلال لقاء جلالة الملك عبدالله بن الحسين الأخير مع الرئيس الأمريكي ترامب وبكلام واضح أكد جلالته على رفض تهجير الفلسطينيين وخاصة أهل غزة من أرضهم، وبحنكته السياسية المعهودة ودبلوماسيته العالية أكد على أن هذا هو الموقف الأردني والعربي متكلما بلسان الأردنيين والعرب والمسلمين جميعا بأن هذا الموقف العربي من قضية التهجير.
خطرت بذهني قصة سيدنا الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه عندما وَجَّهَ سيدنا عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، فَأَسَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ رضي الله عنه، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ وَأُعْطِيَكَ نِصْفَ مُلْكِي؟ قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيعَ مُلْكِ الْعَرَبِ، مَا رَجَعْتُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ. قَالَ: إِذًا أَقْتُلََك.
قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاة: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ بَدَنِهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَيَأْبَى، فَأَنْزَلَهُ. وَدَعَا بِقِدْرٍ، فَصَبَّ فِيهَا مَاءً حَتَّى احْتَرَقَتْ، وَدَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِي فِيهَا، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، وَهُوَ يَأْبَى. ثُمَّ بَكَى، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ جَزِعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ. فلما ردوه سأله: مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ تُلْقَى السَّاعَةَ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ شَعْرِي أَنْفُسٌ تُلْقَى فِي النَّارِ فِي اللَّه .
فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ .
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ :وَعَنْ جَمِيعِ الْأَسَارَى؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَبَّلَ رَأْسَه.
وَقَدِمَ بِالْأَسَارَى عَلَى سيدنا عُمَرَ رضي الله عنه، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ ، فَقَالَ سيدنا عُمَرُ رضي الله عنه : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ ابْنِ حُذَافَةَ ، وَأَنَا أَبْدَأُ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وقام المسلمون جميعاً يقبلون رأس سيدنا عبد الله رضي الله عنه.
قد يظن القاريء أنني أبالغ في التشبيه، ولكن المواقف تتشابه في حقيقتها فسيدنا عبد الله وقف أمام حاكم طاغيةٍ أهوج لا حكمة عنده ويتكلم بعنجهيته ويساومه على عقيدته ودينه ومبادئه الثابتة، ويغريه بالأموال ويهدده بالحرق والدمار من أجل التنازل عن دينه ومقدساته، وسيدنا عبد الله مع ذلك يبقى ثابتاً على موقفه وهو القائد المحنك محتسباً ذلك في سبيل الله تعالى، فلما وصل الأمر بالتهديد بقتل الأسرى المؤمنين كلهم، أو أن يقبل رأس ذلك الكافر مقابل أن يطلق سراحه وافق على أن يقبل رأسه بشرط أن يطلق جميع الأسرى.
وعندما عاد سيدنا عبدالله الى وطنه لم يجد أمامه آلة إعلامية تتهمه بالتخلي عن عقيدته وقضايا أمته وتسعى للفتنة في بلده بل وجد شعبا فطنا ذكيا استلهم الحكمة من قيادته ويحب قائده ويثق به، فقال له سيدنا عمر مقالته المشهورة: "حقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ ابْنِ حُذَافَةَ ، وَأَنَا أَبْدَأُ ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ".
هناك قضايا لا تقبل المساومة أبدا، وعندما تشعر أنك وحدك في الميدان وأنه بأي لحظة سيتخلى الجميع عنك تعلم أيضا أنه ليست كل الحلول في المواجهة والمقاومة الحربية.
عندما يتعلق الأرض بدينك وعقيدتك وأمتك ووطنك ومقدساتك، فلا بد من الحكمة والمهارة العالية عند المنعطفات الخطرة وإدارة الأزمات، وهذا أمر لا يتقنه أي أحد، فالقائد العبقري هو الذي يحقق أهدافه دون التنازل عن الثوابت، ودون أن يلقي نفسه في المهالك.
عاد جلالة الملك عبدالله الثاني بعد زيارته للرئيس الأمريكي ترامب الذي أخذ يساوم الأردن على تهجير أهل غزة منها مقابل المساعدات الأمريكية للأردن ظانّاً أننا سنقبل بالتنازل عن ذرة من تراب فلسطين مقابل ملك ترامب كاملاً، فأثبت ملكنا بحنكته العالية لهذا الرئيس المتعجرف رغم تهديداته أنه لا يقبل المساومة على قضايا الأمة، وأن قضية فلسطين خاصة ليست محلاً للمساومة، فموقف الأردن تجاه قضية فلسطين ثابت لم ولن يتغير.
عاد جلالة الملك بعد أن وقف وحده ثابتا على مبادئه متفوقا بقوته وهمته وذكائه أمام رئيس متفاخر لا يؤمن إلا بقوة الذراع والآلة، عاد جلالته وقد انتصرت قوة الحق وفطنة الملك وإرادة الشعب على قوى الشر وخبث الباطل ومخططات الأعداء، عاد وقد تفوق جلالته عليه بما وهبه الله من حدة ذكاء وقوة فطنة وبديهة عالية، وقد وضع جميع الدول العربية في الواجهة ليتحملوا مسؤولياتهم تجاه القضية الفلسطينية حتى لا يقف وحيدا أمام تهديدات ترامب، عاد الملك وقد حدد أهدافه بوضوح أنه لا حل للقضية الفلسطينية على حساب الأردن وأن مصلحة الأردن فوق كل اعتبار، عاد الملك وقد أعاد الأمل لألفي طفل فلسطيني حالتهم حرجة من أجل العلاج في مستشفيات بلادنا ليعودوا بعد رحلة العلاج لإعمار أرضهم في غزة.
عاد جلالته ثابتا على موقفه محققا مآربه شامخا شموخ الجبال الراسيات وقد تصدى لعناد ترامب وغطرسته دون أن ينحني له ويقبل رأسه.
فالتضحيات والتنازلات لا بد لها من ثمن، فإذا كانت المساعدات التي تقدم للأردن على حساب التنازل عن القضية الفلسطينية فالأردن مستغنِ عن هذه المساعدات فتراب الوطن لا يقدر بثمن، بل نفديه بالأرواح والمهج، وبهمة أبنائه وتكاتفهم سيبقى الأردن ثابتا شامخاً عزيزاً.
وللأسف عاد جلالة الملك إلى الوطن ولكن لا كما عاد سيدنا عبدالله بن حذافة السهمي، عاد وقد وجد آلة الإعلام هذه القناة التي تتغذى بكسبها على الفتن وعلى الدماء التي تراق دون أن يرف لها جفن وتبث الفتنة بين الشعب وقائده ظانين أنهم بأبواقهم وأموالهم وبتحريفهم لكلام جلالة الملك سيتفوقون على ثقة الشعب بقائدهم ومليكهم الحكيم، وأنهم سيجدون من الشعب الأردني لقمة سائغة يعتاشون عليها من خلال بثهم للفتن بين الأردنيين؛ فبفضل الله تعالى أولاً ثم بحب الأردنيين لمليكهم ووعيهم العالي وذكائهم وثقتهم بقائدهم وبحب الملك لشعبه ووطنه خابوا وخابت مساعيهم.
فالأردن وملكه ذلك القائد الحكيم المحنك الذي تمكن على مدى عقود من الحفاظ على أرض وطنه وشعبه وتمسكه بالقضية الفلسطينية وانتصاره لقضايا الأمة العربية في ظل المحن وأمواج عالية من الفتن ورياح عاصفة من المكر به ليل نهار، قادر على تجاوز هذه المحن والفتن كما تجاوز غيرها.
فالله سبحانه وتعالى لن يخزي ملكاً حكيماً رحيماً جعل وطنه ملاذاً لكل منكوب ومستضعف، والله جل وعز لن يخزيَ وطناً كريماً بشعبه متمسكاً بمبادئه وهويته وأرضه منتمياً لدينه ووطنه ولقيادته الهاشمية وقضايا أمته، هذا الشعب المضياف الشهم الذي ما زال يقتسم مع إخوانه من فلسطين ومن كل مكان رغيف الخبز وشربة الماء ويعيش همومهم ومعاناتهم ويغيث ملهوفهم ويداوي جرحاهم من منطلق أخوة الدين والدم.
وسيبقى وطننا بحماته الهاشميين وشعبه الطيب وطناً حراً منيعاً، ومضيافا للنازلين، وغوثاً للسائلين، وملجأً للمستضعفين، ودرعاً حصينا ً ضد المفسدين والعابثين، ومدافعاً عن قضايا الأمة والدين، وسيبقى الأردن للأردنيين.
وما قام به الشعب الأردني على كافة مستوياته من خروج عفوي واستقبال عظيم لجلالة الملك المعظم هو موقف مشرف يشعرك بمدى التفاف الشعب والمؤسسات حول مليكهم وحبهم له، فهم كالأسرة الواحدة، وموقف جلالة الملك يشرف كل عربي ومسلم فحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وعربي أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ الملك عبدالله.