هل ينوي ترامب تحويل غزة إلى قاعدة عسكرية؟
داود عمر داود
16-02-2025 03:42 PM
اختار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن يبدأ ولايته الثانية بزوبعة عارمة أعلن خلالها مجموعة أفكار وطروحات وقرارات أثارت الإستهجان والغرابة في بلاده والعالم. والأهم أن كل ما أعلنه اتسم بنزعة استعمارية توسعية لم يسبق لرئيس من أسلافه أن طرح مثلها. وجاء إعلان ترامب عنها دفعة واحدة، بذات التوقيت، وكأنه في عجلة من أمره.
كان من أبرز ما طرحه فكرة مثيرة، مخالفة لكل القيم والنواميس والقوانين، وهي تهجير أهل غزة من ديارهم، وتحويل القطاع إلى منتجع سياحي، أو إلى "ريفيرا الشرق الأوسط"، حسب زعمه. وقد أغضب "مشروعه" أهل فلسطين، والعرب والمسلمين، والعالم بأسره، حتى قادة الكونغرس من حزبه الجمهوري ومن الحزب الديمقراطي.
خطة استعمارية لتهجير أهل غزة:
ظن البعض أن ترامب كان يتحدث بعقلية المطور العقاري وأنه ينظر إلى غزة على أنها "قطعة أرض"، ومشروع تجاري. لكن الحقيقة أن طرحه حول استيلاء بلاده على القطاع، لم يكن تصرفاً عشوائياً أو بدوافع تجارية، بل كان بدوافع استعمارية بحتة.
فقد تداولت وسائل الإعلام أن هناك خطة لتهجير أهل غزة، معدة مسبقاً، وضعها خبير استراتيجي يعمل في جامعة جورج تاون، البروفيسور "جوزيف بيلزمان"، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية. وقد قدم خطته الى فريق ترامب، خلال حملته الانتخابية، في شهر يوليو تموز 2024، بينما إدارة بايدن لم تلقِ لها بالاً.
مؤامرة الإحلال السكاني:
تعتمد خطة التهجير على جعل قطاع غزة "غير مأهول" بعد تفريغه من سكانه، البالغ تعدادهم ما يقارب 2.5 مليون نسمة. ولا تختلف خطة ترامب، في تهجير السكان وتفريغ الأرض من أصحابها، عما حصل خلال مؤامرة النكبة، عام 1948. حيث جرى افتعال حروب وأحداث ومصادمات ومجازر للوصول الى النتيجة التي أرادها المستعمر البريطاني، وهي تهجير أهل فلسطين الى البلدان المجاورة.
فتفريغ السكان والاستيلاء على الأرض، وجلب مجموعات سكانية اخرى لتحل محلها، سواءٌ بحجة التطوير العقاري أو الاستيطان، أو غير ذلك، هي مؤامرات استعمارية سواءٌ مارستها بريطانيا أو أمريكا أو إيران الفارسية.
هل نية ترامب تحويل غزة لقاعدة عسكرية؟:
وعليه فإن فكرة تهجير السكان من ديارهم ليست بجديدة، فقد استخدمتها بريطانيا في فلسطين لإقامة قاعدة استعمارية متقدمة للغرب في المشرق العربي، تحت مسمى "إسرائيل". كما استخدم الإنجليز في الستينيات ذات الفكرة في جزيرة "دياغو غارسيا"، وسط المحيط الهندي، لإنشاء قاعدة عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، وطردوا سكانها. فهل ينوي الرئيس ترامب الاستيلاء على قطاع غزة وتحويله إلى قاعدة عسكرية أمريكية على غرار "دياغو غارسيا"؟
تهجير أهل غزة مثل سكان "دياغو غارسيا":
كانت جزيرة "دياغو غارسيا" تتبع المستعمرة البريطانية "موريشيوس". وبعد حصول دولة مورشيوس على استقلالها عن بريطانيا، عام 1968، احتفظت بريطانيا بـ "أرخبيل تشاغوس"، الذي يضم جزيرة "دياغو غارسيا"، مقابل 3 ملايين جنيه إسترليني.
وقد تآمرت الحكومتان البريطانية والأمريكية، خلال الستينيات، للقيام بعملية "تطهير وتعقيم" للجزيرة، وهي نفس المفردات التي يستعملها ترامب الآن بخصوص غزة. واخترعت وزارة الخارجية البريطانية قصة وهمية أن سكان الجزر، وهم من أصول إفريقية، كانوا مجرد عمال متعاقدين مؤقتين يمكن "إعادتهم" إلى جزر "موريشيوس" على بُعد ألف ميل. بينما الشواهد تُثبت أن هؤلاء السكان عاشوا هناك لأجيال.
معاملة غير إنسانية للمهجرين:
بدأت نهاية حياة سكان "دياغو غارسيا"، على جزيرتهم، عندما وطأت الشاطىء قدما أدميرال بحري أمريكي عام 1961، جاء ليضع إشارةً على الجزيرة كموقع لما أصبح اليوم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في العالم، تتحكم من خلالها بالمحيط الهندي وما حوله.
بدأت عملية الترحيل القسري التام لألفي مواطن من الجزيرة عام 1965، ولم يسمح لهم بالعودة منذ ذلك الحين. وتكشف الوثائق عن التسلط والوحشية التي تم فيها التعامل مع سكان "دياغو غارسيا". ففي عام 1966، كتب مسؤول في الخارجية البريطانية يقول: "إن الهدف هو تحويل كل المقيمين الحاليين إلى مقيمين مؤقتين قصيري الأمد". وكتب وكيل وزارة الخارجية: "لا شك أننا لابد وأن نكون صارمين للغاية في التعامل مع هذا الأمر. ولن يكون هناك سكان أصليون باستثناء طيور النورس".
إبادة الحيوانات وتهجير السكان:
وقد أُوكلت مهمة التطهير العرقي إلى الحاكم البريطاني، "بروس جرتباتش"، الذي بدأ العملية مع بدء وصول الأميركيين لإنشاء القاعدة العسكرية، بقتل الكلاب الأليفة في الجزيرة. وتقول شهادات مواطنين إنه "تم أخذ كلابنا بعيداً أمامنا بينما كان أطفالنا يصرخون ويبكون" حيث جرى حرقها.
ثم تم تحميل السكان على متن السفن، ولم يُسمح لهم بحمل سوى حقيبة واحدة. تركوا وراءهم منازلهم وأثاثهم وحياتهم. ولدى وصولهم إلى "سيشل"، صعدوا أعلى التلة إلى سجن حيث احتُجزوا فيه لفترة حتى أُطلق سراحهم وتم رميهم على الأرصفة.
وفي الأشهر الأولى من نفيهم، كانت حالات الانتحار، ووفيات الأطفال، شائعة. ويتذكر شهود العيان أن الطبيب قال لهم "إنه لا يستطيع علاج الحزن". وقد دمرت السكان المهجرين البطالة والمخدرات والدعارة، وكلها أمور غريبة على مجتمعهم. ولم يتلقوا أي تعويض من بريطانيا إلا بعد أكثر من عقد من الزمان، أقل من 3 آلاف جنيه إسترليني لكل منهم، وهو مبلغ لم يكفِ لسداد ديونهم.
مطالبات مهجري "دياغو غارسيا" بالعودة إلى الجزيرة:
ومنذ طردهم، قبل عقود، ظل أهل الجزيرة يطالبون بالعودة الى "دياغو غارسيا". وفي عام 2000، حققوا انتصاراً تاريخياً في المحكمة العليا البريطانية التي قضت بأن طردهم كان غير قانوني. لكن الخارجية البريطانية أعلنت على الفور أن سكان الجزيرة لن يتمكنوا من العودة إلى "دياغو غارسيا" بسبب "المعاهدة" مع واشنطن. وصدر مرسوم بريطاني يقضي بحرمانهم نهائياً من العودة وإلى الأبد. ولم تنفع الجهود الدولية لصالح مهجري "دياغو غارسيا".
الاتفاق البريطاني الأمريكي:
كان الاتفاق السري بين بريطانيا والولايات المتحدة، في الستينيات، أن تستأجر أمريكا جزيرة "دياغو غارسيا" لاستخدامها كقاعدة عسكرية لمدة 50 عاماً، قابلة للتجديد لمدة 20 عاماً اخرى، وذلك مقابل خفض سعر صفقة صواريخ اشترتها بريطانيا من الولايات المتحدة. وفي عام 2016، تم تمديد فترة إيجار القاعدة الأمريكية حتى عام 2036.
الخلاصة: غزة و"دياغو غارسيا" و"جمهوريات الموز":
وهكذا يمكننا أن نتصور الظروف التي ستحيط بأهلنا في غزة إذا ما تم تهجيرهم، لا قدر الله، ليصبح القطاع بعد ذلك موطىء قدمٍ للولايات المتحدة، التي تريد أن تستغل تفردها في العالم لتوسيع نطاق نفوذها الاستعماري في كل مكان.
وربما بدلا من أن تكون غزة "ريفيرا الشرق الأوسط"، كما يزعم ترامب، ستصبح "دياغو غارسيا الشرق الأوسط"، تتحكم بالمنطقة وما حولها. خاصة أن خطة ترامب تزامنت مع بناء السفارة العملاقة لبلاده في لبنان، التي تبلغ مساحة مبانيها 90 ألف متر مربع، فيما تبلغ المساحات المفتوحة فيها 120 ألف متر مربع.
فهل تنوي الولايات المتحدة تعزيز هيمنتها على المنطقة، وما حولها، وتديرها من غزة وبيروت مثلاً؟ وتستفرد بالنفوذ التام، بعد أن تتخلص مما تبقى من تأثيرٍ للدول الاستعمارية القديمة، وتشدد
قبضتها على مكامن الثروات الطبيعية، وعلى طرق التجارة العالمية، وتدير الدنيا كلها من هنا، وتوزع أرزاق العباد كيفما تشاء.
وعندئذٍ تصبح منطقتنا مثل أمريكا الجنوبية، التي يعتبرها الأمريكيون الحديقة الخلفية لبلادهم، يحكمها "مبدأ مونرو"، الذي منع التدخل الأوروبي في النصف الغربي للكرة الأرضية. أما منطقتنا فسيحكمها عندئذٍ "مبدأ ترامب"، الذي يمنع تدخل أي قوة اخرى في الشرق الأوسط. وبالتالي سنصبح نحن مثل "جمهوريات الموز" غير المستقرة!!