عراقيل جديدة أمام خطة إعمار قطاع غزة المرتقبة
د. عماد عواد
03-03-2025 01:32 PM
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو القاهرة حيث تنعقد القمة العربية الطارئة المنتظر أن تقوم باعتماد خطة لإعمار قطاع غزة دون تهجير سكانه، بعد أن دمرته آلة الحرب الإسرائيلية وحولته إلى ركام، تتوالى المواقف والتصريحات من شخصيات إسرائيلية في اتجاه معاكس بشكل واضح إلى وضع العراقيل أمام تنفيذ أي مشروع يعارض تهجير سكان القطاع، وفي هذا السياق تم رصد عدد من التطورات الخطيرة أبرزها:
أولاً- ارتفاع نبرة التحدي تجاه مصر، حيث أبلغت إسرائيل، في السابع والعشرين من فبراير الماضي، وسطاء التوصل لوقف إطلاق النار في غزة بأنها لن تنسحب من محور صلاح الدين (فيلادلفيا) والذي يُعد منطقة عازلة بموجب اتفاقية السلام الموقعة مع مصر عام 1979. وبالتزامن مع إعلان رئيس الوزراء الأسبق أريل شارون عن خطته لفك الارتباط مع القطاع وقعت إسرائيل مع مصر "اتفاق فيلادلفيا" باعتباره ملحقاً أمنياً لمعاهدة السلام ليتضمن نشر قوات مصرية على الحدود الفاصلة مع قطاع غزة وتحديد مهمتها في مكافحة الإرهاب والتسلل عبر الحدود والتهريب. ومع انطلاق العملية العسكرية الإسرائيلية علي مدينيي غزة ورفح دخلت قواتها إلى المحور وشرعت في بناء مواقع اسمنتية والبدء في تزويدها بالمرافق كالكهرباء والإنترنيت بهدف تثبيت وجود إسرائيلي دائم في المحور على خلاف ما نصت عليه اتفاقية وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها في يناير الماضي والتي تقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من هذه المنطقة في المرحلة الثانية من تنفيذ الاتفاق.
ثانياً- إعادة طرح مقترحات حول تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، فمن جانب دعا إفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" في الحادي عشر من فبراير الماضي إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء التي تبلغ مساحتها 170 ضعفاً لقطاع غزة، مشيراً إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي كان له الفضل في انتصار الجيش المصري على تنظيم "داعش" في سيناء عندما كان يشغل ليبرمان منصب وزير الدفاع. وقد عاد لتكرار هذه الدعوة في الثاني من مارس 2025 مطالباً مصر بالسيطرة على قطاع عزة وفتح معبر رفح أمام سكانه للعبور إلى مصر، ملمحاً إلى ما اعتبره دوراً محورياً للمساعدات الأمريكية لمصر، وأنه يلزم مراجعة الإطار الكامل للعلاقات بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل. وتجدر الإشارة إلى أن مقترحاً مماثلاً جرى طرحه على لسان زعيم المعارضة الإسرائيلية "يائير ليبد"، في الخامس والعشرين من فبراير الماضي تضمن تولي مصر مسئولية إدارة القطاع لمدة 8 سنوات قابلة للتمديد لتصبح خمسة عشر عاماً، وهو الأمر الذي قوبل برفض فوري من القاهرة.
ثالثاً- الدعوة التي طرحها نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي، نيسيم فاتوري، في 24 فبراير الماضي، إلى "قتل كافة الرجال البالغين في غزة" معتبراً أن إسرائيل تتعامل مع سكان القطاع بتسامح أكثر من اللازم. ومما لا شك فيه أن هذه الدعوى تتضمن تحريضاً صريحاً على الإبادة الجماعية لما يقرب من مليون فلسطيني في القطاع لا لشيء سوى أنهم من سكانه ولا يرغبون في الانصياع إلى ما يُطلق عليه برنامج "الهجرة الطوعية".
رابعاً- محاولة الحكومة الإسرائيلية القفز على اتفاق وقت النار في غزة من خلال سعيها إلى تمديد المرحلة الأولي وتجاهل المرحلة الثانية المتضمنة وقف إطلاق النار والانسحاب الكامل لقواتها من القطاع، وقد تمثل ذلك في إعلانها عن موافقتها على ما بات يُعرف بمقترح "ويتكوف"، مبعوث الرئيس الأمريكي للمنطقة، والذي يقضي بتمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس خلال شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي (لمدة 50 يوماً) ويعنى في مجملة مطالبة حركة حماس بالتخلي عن نصف المحتجزين الموجودين لديها – سواء أحياء أو أموات- دون أي ضمانات واضحة بوقف دائم لوقف النار.
خامساً- نتيجة لرفض حركة حماس الانخراط تنفيذ مقترح "ويتكوف"، الذي هو في حقيقته نتاج نقاش بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والمبعوث الأمريكي، قررت إسرائيل إيقاف كامل لشحنات المساعدات الإنسانية إلى غزة اعتبارا من 2 مارس 2025 وهو اليوم الذي يلي التاريخ المحدد لانتهاء المرحلة الأولي من اتفاق وقف إطلاق النار. وعلى الرغم من أن استخدام سلاح التجويع، المحرم دولياً، كان محل إدانة من الوسطاء والاتحاد الأوروبي، إلا أن إسرائيل بدت عازمة على وضعة موضع التنفيذ وكتب وزير ماليتها، في منشور عبر منصة "إكس" أن: "القرار بوقف إدخال المساعدات حتى تدمير حماس أو استسلامها الكامل وإعادة جميع الرهائن، هو خطوة في الاتجاه الصحيح: فتح أبواب الجحيم".
يتضح مما سبق أنه في حين تسعي الدول العربية إلى وضع خطة عملية لإعادة إعمار قطاع غزة ووأد فكرة تهجير سكانه، فإن إسرائيل تحرص على جر المنطقة إلى موضوعات فرعية تتطلب بذل الجهد والوقت للتعامل معها، الأمر الذي يرجئ تنفيذ مشروع إعادة الإعمار الى المرتبة الثانية.
* د. عماد عواد- سفير مصري .