من عتبة الحلم إلى أضواء المجد .. 75 عاماً تروي قصة كرة القدم الأردنية
أ.د احمد منصور الخصاونة
26-11-2025 10:36 AM
خمسة وسبعون عاماً مضت منذ أن بزغ فجر الاتحاد الأردني لكرة القدم، خمس وسبعون عاماً من الحلم والعمل، من الشغف الأول للعب الكرة في ساحات المدن الأردنية، إلى الصعود إلى أضواء المجد على الساحة العالمية. يحتفل الأردنيون اليوم باليوبيل الماسي للاتحاد، ليس فقط كذكرى لتأسيس مؤسسة رياضية، بل كتجسيد لمسيرة وطنية كروية امتدت عبر أجيال، تحمل بين طياتها أحلام الشباب، وإرادة القيادة، وانتماء الشعب، حتى تحقق الإنجاز الأعظم بالتأهل التاريخي لنهائيات كأس العالم 2026، لحظة فخر لا تُنسى في ذاكرة كل عاشق للكرة في المملكة.
بدأت القصة عام 1923، عندما كانت كرة القدم مجرد لعبة بسيطة في ساحات المدن والقرى، يسعى الشباب فيها وراء الكرة بروح التحدي والشغف، متجاوزين كل الصعاب. كانت الملاعب الترابية والبساطة المادية لا تمنع حماسة اللاعبين ولا حد من تطلعهم. ومع مرور السنوات، ومع تأسيس الاتحاد الأردني لكرة القدم عام 1949، انتقلت اللعبة من الهواية إلى الاحتراف، ومن الفوضى العفوية إلى التنظيم والهيكلة. أصبح للكرة في الأردن مؤسسة تحمي مصالحها وتضع أسس تطورها، وبدأت المسابقات الرسمية، وظهرت الأندية، وتبلورت شخصية اللعبة الوطنية التي أضفت على الرياضة الأردنية بعداً من الانضباط والاحتراف.
وعلى مدار العقود، شهدت كرة القدم الأردنية مراحل من التقدم والتألق، من المشاركة في البطولات العربية والإقليمية إلى الصعود التدريجي على مستوى آسيا، وصولاً إلى اللحظة التاريخية التي كتب فيها النشامى صفحة مشرقة في التاريخ الرياضي الأردني. لقد كان التأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026 إنجازاً يفيض فخراً، ويجسد أن الأردن، رغم صغره الجغرافي، قادر على المنافسة على أعلى المستويات، وأن كرة القدم الأردنية أصبحت علامة فارقة على الخريطة الرياضية العالمية، ورمزاً للوحدة الوطنية والعزيمة المستمرة.
وفي قلب الاحتفالات، جاء الكأس الجديد للدوري الأردني للمحترفين، ليكون أكثر من مجرد كأس يُرفع في الاحتفالات. لقد صممه أردنيون بأيديهم، ونقشت على جسده تحف فنية مستوحاة من التراث الوطني، لتروي قصة الهوية الأردنية وروح الانتماء والتقاليد العريقة. كل خط منحوت على الكأس، وكل منحنى فني، يحكي حكاية الأردن، ويقول للعالم إن كرة القدم هنا ليست مجرد لعبة، بل انعكاس للثقافة، ومرآة للإبداع الوطني، وشهادة على القدرة على الجمع بين الأصالة والحداثة.
ولكي يكون الإنجاز مستداماً، جاءت الاستراتيجية الشاملة حتى عام 2029، تحمل رؤى واضحة لتطوير اللعبة، والارتقاء بمستواها الفني، وتمكين الأندية، وبناء بنية تحتية قوية، وتعزيز التفاعل الاجتماعي مع اللعبة. فهي خطة تجعل من كرة القدم الأردنية مشروعاً وطنياً مستداماً، يجمع بين الاحترافية والجاذبية، بين المنافسة العالمية والانتماء الوطني، بين تطوير اللاعب الشاب وإشراك المجتمع بأسره في هذا الحلم الكبير. إن تطوير المنتخبات الوطنية، وتوسيع قاعدة المدربين المؤهلين، وبناء المنشآت الأكاديمية والملاعب الحديثة، وزيادة مشاركة المرأة والشباب، كل ذلك يترجم إرادة واضحة نحو مستقبل مشرق، يجعل من الكرة الأردنية منصة للتميز والإبداع.
خمسة وسبعون عاماً من العمل والتضحيات والنجاحات لم تكن مجرد سنوات عابرة في تاريخ كرة القدم الأردنية، بل كانت رحلة طويلة من الصبر والمثابرة، ومن الحلم الذي بدأ في ملاعب الحارات الترابية الضيقة إلى أضواء المسارح العالمية الكبرى، رحلة رسمت صورة وطن يعشق كرة القدم ويعتبرها جزءاً لا يتجزأ من هويته وثقافته. هذه الرحلة لم تكن لتتحقق لولا الدعم والرعاية الحانية التي تلقاها الاتحاد الأردني لكرة القدم منذ نشأته، بدءاً من المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال، الذي آمن بأهمية الرياضة في بناء الشخصية الوطنية، ورأى فيها أداة للوحدة الوطنية وتعزيز الانتماء. لقد كان الملك الحسين حاضناً لكل مبادرة رياضية، وراعياً للموهبة، ومشجعاً على التطوير الاحترافي للعبة، مما أرسى أسساً قوية لنشوء كرة قدم أردنية قادرة على المنافسة، وتكوين قاعدة صلبة من اللاعبين المؤهلين الذين أصبحوا فيما بعد سفراء للكرة الأردنية في المحافل الإقليمية والدولية.
وكان لسمو الأمير علي بن الحسين الدور الكبير أيضاً في دعم الكرة الأردنية، ليس فقط على الصعيد المحلي، بل على مستوى الإشراف على التطوير الإداري والفني للعبة، وتعزيز مكانة الأردن في الفيفا والاتحاد الآسيوي. وقد ساهمت رؤيته الطموحة في فتح آفاق جديدة للاتحاد، وطرح خطط استراتيجية شاملة ترتكز على الاحترافية والحوكمة الرشيدة، الأمر الذي ساهم في رفع مستوى الأندية والمنتخبات، وإتاحة الفرص أمام اللاعبين الشباب للتألق على الساحة العالمية.
كما لعب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني دوراً محورياً في دعم الرياضة الوطنية بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، من خلال تشجيعه المستمر للمبادرات التي تربط الرياضة بالوطنية والتعليم، ودعمه لبرامج تطوير المواهب الرياضية، وتحفيزه للقطاع الشبابي على الالتحاق بالأندية والفرق الوطنية. لقد كان حرص سموه على أن تكون كرة القدم الأردنية أكثر من مجرد لعبة، وأن تكون أداة لبناء الشخصية، وتعزيز القيم، وغرس روح الانتماء الوطني، واضحاً في كل المبادرات التي أطلقها على مدار السنوات الماضية، ما جعل الرياضة في الأردن رمزاً للتماسك الاجتماعي وفضاءً للحلم والطموح.
ولم يقتصر الدور على الدعم الرمزي أو التشجيع، بل شمل أيضاً توجيه الاهتمام بالمبنى المؤسسي للاتحاد الأردني لكرة القدم، بما في ذلك تطوير البنية التحتية للرياضة، من ملاعب وأكاديميات ومنشآت تدريب، وتبني البرامج الفنية التي تضمن تطوير اللاعبين منذ الصغر، وصولاً إلى المنتخبات الوطنية التي أصبحت قادرة على منافسة أفضل الفرق في آسيا والعالم. لقد تحولت كرة القدم الأردنية تدريجياً من شغف محدود إلى إرادة وطنية جامعة، ومن بداية عفوية إلى تنظيم متكامل، ومن مجرد هواية إلى مشروع رياضي وطني متكامل يحمل رسالة أمل ووحدة واعتزاز بالهوية الأردنية.
وكانت رؤية القيادة الأردنية الحكيمة واضحة في كل مرحلة: أن الرياضة ليست مجرد منافسة على المستويات المحلية أو الإقليمية، بل هي منصة لتعزيز القيم الوطنية وغرس الانتماء، وأن كرة القدم على وجه الخصوص قادرة على جمع أبناء الوطن تحت شعار واحد، وتحويل التحديات إلى فرص للتميز. واليوم، ومع بلوغ الاتحاد الأردني لكرة القدم اليوبيل الماسي، يقف الأردن على عتبة المستقبل، حاملاً لواء الإبداع والطموح، مستمراً في رسم مسيرة تتجاوز الخمس وسبعين عاماً، نحو مزيد من الإنجازات، ومزيد من المجد، ومزيد من الفخر لكل أردني.
لقد أصبح الحلم الأردني في كرة القدم حقيقة متجددة، تذكرنا دائماً بأن الإرادة تصنع المعجزات، وأن الدعم الحكيم من المغفور له الملك الحسين، والرؤية المستقبلية لسمو الأمير علي، واهتمام سمو ولي العهد الأمير الحسين، ورعاية الملك عبد الله الثاني، كلها عوامل جعلت من كرة القدم الأردنية رسالة عالمية عن التصميم، والانتماء، والعزيمة، وعن وطن لا يعرف المستحيل، بل يخطو بثقة نحو كل آفاق المجد والتميز.