التيه الرقمي وهلوسة الآلة
د. ناجي القبيلات
31-01-2026 06:33 PM
تأثرت الآلة بانزياحات خوارزمياتها (Algorithmic Drift) المبنية وفق الخيال الإحصائي (Statistical Fiction) للمبرمجين، فاتحًا بابًا قيميًا عميقًا حول طبيعة الحقيقة والوعي والحدود الفاصلة بين ما هو إنساني وما هو اصطناعي، فأدواتها المنفذة لخوارزمياتها تائهة في شتات البيانات وسحائبها، مجتهدة في ملء الفراغات بما يبدو منطقيًا وفقًا لأنماط التكرار الصماء (Inert Patterns)، كاشفة عن أن أصل هلوستها النابع من الثقة العمياء في البيانات غير الدقيقة -كثيرًا ما تكون خاطئة- لا يميز بين "الحق" و "الباطل"؛ لغياب المرجع القيمي، الذي استبدلته بفرز الأكثر احتمالاً وتكرارا.
فلا روح للصدق كقيمة إنسانية عند الآلة، ولا الاحترام خطها الأحمر، ولا تدركهما ضمن السياقات والمفردات، والأدهى من هذا كله تنعدم قدرتها على إدراك النية (Intentionality)؛ لاتباعها مسارات رياضية غالبا ما ينشأ عنها اضطراب في المعنى والدلالة لا بسبب البيانات وأنواعها.
على النقيض تمامًا، فالهلوسة البشرية كظاهرة تتأتى من الاضطراب في إدراك المعنى لا من خطأ في الحسابات، ولارتباطها بالحواس والعواطف، ولكونه كائن قلق باحث عن المنطق والحقيقة، ولكون القيم الإنسانية ليست "بيانات" يمكن تحميلها إلى خادم ما، بل هي "ممارسة" تتطلب ضميرًا حيًا وحسًا نقديًا.
فخطر الذكاء الاصطناعي لا يتأتّى من "ذكائه"، بل من عماه القيمي (Moral Blindness)، ومدى ضبط الأوصياء الأخلاقيين (Moral Stewards)، وتحكمهم بمدخلاتها، فهي آلة تتوقع ولا تعرف، وتجمع ولا تفهم، والمبرمجون من يمنحون البيانات معناها، ويضعون الحدود التي تحمي الكرامة الإنسانية وقيمها من أن تتحول إلى مجرد أرقام إحصائية في معادلة رياضية.
بات من المُلِحّ إعادة تعريف أدوات الذكاء الاصطناعي على أنها مجهر يوسع رؤيتنا، لا البديل عن بصيرتنا، فهذا العالم يزداد ضجيجًا بالهلوسات الرقمية، وتبقى الحقيقة الإنسانية وقيمها البوصلة الوحيدة التي تمنعنا من الغرق في سراب الآلة.