العيدُ بين فرحةِ الروحِ ومسؤوليةِ الرحمة
د. بركات النمر العبادي
18-03-2026 02:07 PM
السلسلة الرمضانية (5) والأخيرة..
يأتي يوم العيد بعد شهرٍ من الصوم والقيام لا بوصفه انقطاعًا عن العبادة، بل بوصفه اكتمالًا لدورتها ؛ فهو ثمرةُ مجاهدةٍ طويلة ، ولحظةُ كشفٍ عن المعنى الذي كان يتخلّق في القلب رويدًا رويدًا ، فإذا كان رمضان زمنَ الإرادة المنضبطة، فإن العيد زمنُ الفرح المنضبط ؛ فرحٌ لا ينفصل عن الشكر، ولا يتحوّل إلى غفلة ، بل يظلّ مشدودًا إلى قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
إن العيد في التصور الإسلامي ليس مجرّد عادةٍ اجتماعية ، بل هو إعلانٌ رمزيّ عن انتصار الروح على العادة ، والمعنى على الشهوة ، حين يلبس المؤمن جديده ، ويخرج مكبّرًا ، إنما يعبّر عن فرحٍ وجوديٍّ بأنّه استطاع – بعون الله – أن يزكّي إرادته ، وأن يحرّر قلبه من بعض أثقاله. وقد أشار أبو حامد الغزالي إلى أن : حقيقة العبادة ليست في صورها الظاهرة، بل في أثرها الباطن؛ فإذا أورثت صفاءً في القلب ورحمةً في السلوك ، فقد أدّت وظيفتها. ومن ثمّ فالعيد ليس مكافأةً جسديةً بعد الحرمان ، بل إشراقةُ قلبٍ بعد تهذيب.
والفرح في الإسلام ليس نقيض الزهد ، بل هو أحد تجلياته حين يكون فرحًا بالله لا بالنفس ، وبالهداية لا بالهوى ، ذلك جاء في الأثر: «للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربّه»؛ ففرحة العيد امتدادٌ لتلك الفرحة الأولى ، لكنها أعمق ، لأنها ثمرةُ صبرٍ شهرٍ كامل ، لعمري إنّه فرحُ من ذاق معنى الانتصار على ذاته ، فاستحقّ أن يبتسم للحياة ابتسامةَ الشاكر لا ابتسامةَ الغافل.
غير أنّ الفرح الحقّ لا يكتمل إلا إذا اتّسع لغيرنا ، فكما شاركنا الفقراء موائد الإفطار في رمضان ، ينبغي أن نشاركهم بهجة العيد ؛ لأن الأخلاق التي تدرّبنا عليها لا يجوز أن تتوقّف بانقضاء الشهر ، إنّ صلة الأرحام ، وزيارة المرضى ، وإدخال السرور على قلوب المحتاجين ، ليست أعمالًا تكميلية ، بل هي جوهر الفرح ذاته ، فالإنسان لا يبلغ كماله إلا حين يخرج من ضيق ذاته إلى سعة العطاء. وكأنّ العيد يسألنا : ماذا بقي من رمضان في أخلاقكم ؟ هل بقيت الرحمة ؟ هل بقيت الصدقة ؟ هل بقي صفاء النيّة ؟.
في العيد يتجلّى المعنى العميق للأخوّة ؛ إذ تقف الصفوف في صلاةٍ واحدة ، وتتوحّد القلوب في تكبيرٍ واحد ، وكأنّ الأمة تستعيد وحدتها الرمزية بعد شهرٍ من التزكية الفردية ، وهنا يتحوّل الفرح إلى رسالة : رسالةِ تماسكٍ اجتماعيّ ، وتكافلٍ إنسانيّ ، وشعورٍ مشتركٍ بأن النعمة لا تكتمل إلا إذا عمّت.
ختامًا ، ليس العيد نهايةَ الطريق ، بل بدايةُ امتحانٍ جديد ؛ امتحانِ الثبات على ما تعلّمناه ، فإن كان رمضان قد علّمنا الصبر، فليعلّمنا العيد الشكر، وإن كان قد درّبنا على الإمساك ، فليدرّبنا العيد على البذل ، وحين نُدخل السرور على قلب فقير، أو نصل رحمًا انقطع ، أو نعفو عمّن أساء ، نكون قد فهمنا العيد حقّ الفهم : أنّه فرحٌ يفيض من قلبٍ عرف الله ، فسكن ، وشكر، وأحبّ للناس ما أحبّ لنفسه ، وبذلك يصبح العيد إشراقةَ روحٍ لا تنطفئ بانقضاء يوم ، بل تمتدّ أثرًا حيًّا في ضمير الإنسان وسلوكه.
متعكم الله بالصحة والعافية، وتقبل الله صيامكم وكل رمضان وانتم بخير ، وقد تحرر اقصانا واقصاكم، وبدد شمل اعدانا و اعداءكم.
حمى الله الاردن.. وكل عام واردننا بخير وسؤدد واعاذه الله من شر كل مكروه.