facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العيدُ بين فرحةِ الروحِ ومسؤوليةِ الرحمة


د. بركات النمر العبادي
18-03-2026 02:07 PM

السلسلة الرمضانية (5) والأخيرة..

يأتي يوم العيد بعد شهرٍ من الصوم والقيام لا بوصفه انقطاعًا عن العبادة، بل بوصفه اكتمالًا لدورتها ؛ فهو ثمرةُ مجاهدةٍ طويلة ، ولحظةُ كشفٍ عن المعنى الذي كان يتخلّق في القلب رويدًا رويدًا ، فإذا كان رمضان زمنَ الإرادة المنضبطة، فإن العيد زمنُ الفرح المنضبط ؛ فرحٌ لا ينفصل عن الشكر، ولا يتحوّل إلى غفلة ، بل يظلّ مشدودًا إلى قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

إن العيد في التصور الإسلامي ليس مجرّد عادةٍ اجتماعية ، بل هو إعلانٌ رمزيّ عن انتصار الروح على العادة ، والمعنى على الشهوة ، حين يلبس المؤمن جديده ، ويخرج مكبّرًا ، إنما يعبّر عن فرحٍ وجوديٍّ بأنّه استطاع – بعون الله – أن يزكّي إرادته ، وأن يحرّر قلبه من بعض أثقاله. وقد أشار أبو حامد الغزالي إلى أن : حقيقة العبادة ليست في صورها الظاهرة، بل في أثرها الباطن؛ فإذا أورثت صفاءً في القلب ورحمةً في السلوك ، فقد أدّت وظيفتها. ومن ثمّ فالعيد ليس مكافأةً جسديةً بعد الحرمان ، بل إشراقةُ قلبٍ بعد تهذيب.

والفرح في الإسلام ليس نقيض الزهد ، بل هو أحد تجلياته حين يكون فرحًا بالله لا بالنفس ، وبالهداية لا بالهوى ، ذلك جاء في الأثر: «للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربّه»؛ ففرحة العيد امتدادٌ لتلك الفرحة الأولى ، لكنها أعمق ، لأنها ثمرةُ صبرٍ شهرٍ كامل ، لعمري إنّه فرحُ من ذاق معنى الانتصار على ذاته ، فاستحقّ أن يبتسم للحياة ابتسامةَ الشاكر لا ابتسامةَ الغافل.

غير أنّ الفرح الحقّ لا يكتمل إلا إذا اتّسع لغيرنا ، فكما شاركنا الفقراء موائد الإفطار في رمضان ، ينبغي أن نشاركهم بهجة العيد ؛ لأن الأخلاق التي تدرّبنا عليها لا يجوز أن تتوقّف بانقضاء الشهر ، إنّ صلة الأرحام ، وزيارة المرضى ، وإدخال السرور على قلوب المحتاجين ، ليست أعمالًا تكميلية ، بل هي جوهر الفرح ذاته ، فالإنسان لا يبلغ كماله إلا حين يخرج من ضيق ذاته إلى سعة العطاء. وكأنّ العيد يسألنا : ماذا بقي من رمضان في أخلاقكم ؟ هل بقيت الرحمة ؟ هل بقيت الصدقة ؟ هل بقي صفاء النيّة ؟.

في العيد يتجلّى المعنى العميق للأخوّة ؛ إذ تقف الصفوف في صلاةٍ واحدة ، وتتوحّد القلوب في تكبيرٍ واحد ، وكأنّ الأمة تستعيد وحدتها الرمزية بعد شهرٍ من التزكية الفردية ، وهنا يتحوّل الفرح إلى رسالة : رسالةِ تماسكٍ اجتماعيّ ، وتكافلٍ إنسانيّ ، وشعورٍ مشتركٍ بأن النعمة لا تكتمل إلا إذا عمّت.

ختامًا ، ليس العيد نهايةَ الطريق ، بل بدايةُ امتحانٍ جديد ؛ امتحانِ الثبات على ما تعلّمناه ، فإن كان رمضان قد علّمنا الصبر، فليعلّمنا العيد الشكر، وإن كان قد درّبنا على الإمساك ، فليدرّبنا العيد على البذل ، وحين نُدخل السرور على قلب فقير، أو نصل رحمًا انقطع ، أو نعفو عمّن أساء ، نكون قد فهمنا العيد حقّ الفهم : أنّه فرحٌ يفيض من قلبٍ عرف الله ، فسكن ، وشكر، وأحبّ للناس ما أحبّ لنفسه ، وبذلك يصبح العيد إشراقةَ روحٍ لا تنطفئ بانقضاء يوم ، بل تمتدّ أثرًا حيًّا في ضمير الإنسان وسلوكه.

متعكم الله بالصحة والعافية، وتقبل الله صيامكم وكل رمضان وانتم بخير ، وقد تحرر اقصانا واقصاكم، وبدد شمل اعدانا و اعداءكم.

حمى الله الاردن.. وكل عام واردننا بخير وسؤدد واعاذه الله من شر كل مكروه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :