استغلال الشباب في المناكفات الحزبية
رنا جمال ابو حمور
02-01-2026 06:46 PM
في السنوات الأخيرة وبالتوازي مع الحديث المتزايد عن تمكين الشباب وإشراكهم في الحياة السياسية والحزبية برزت ظاهرة مقلقة لا يمكن تجاهلها تتمثل في استغلال فئة من الشباب داخل الأحزاب لا بوصفهم شركاء حقيقيين في القرار والعمل السياسي بل كأدوات تحرك عند الحاجة وتوظف لخدمة مصالح شخصية أو صراعات داخلية أو أجندات ضيقة لبعض التيارات والتجمعات.
التجربة الحزبية ومنها التجربة التي عشناها في الحزب المدني الديمقراطي كشفت بوضوح أن المشكلة لا تكمن في الشباب أنفسهم بل في الطريقة التي يجري بها التعامل معهم، فبدل الاستثمار في وعيهم السياسي وبناء قدراتهم وإشراكهم في نقاشات حقيقية حول البرامج والسياسات يجري في بعض الأحيان اختزال دورهم في أدوار وظيفية آنية مثل إثارة الجدل وتعطيل العمل التنظيمي وخلق حالة من التوتر الداخلي أو التحشيد لمواقف محددة سلفا سواء مع هذا الطرف أو ضد ذاك.
الأخطر في هذا النمط من الممارسات أنه يفرغ فكرة المشاركة الشبابية من مضمونها ويحولها إلى شعار يستخدم للاستهلاك الإعلامي أو لتصفية الحسابات الداخلية، فالشاب الذي يدفع إلى موقع الصدام دون أن يمتلك الصورة الكاملة أو يشجع على التنمر على زملائه أو يحرّض على الاستقالة الجماعية باعتبارها “فعلا ثوريا”، هو في الحقيقة ضحية حتى وإن بدا في الظاهر فاعلا أو مبادرا.
هذا النوع من الاستغلال يخلف آثارا مدمرة على أكثر من مستوى، فهو أولا يصيب الشباب بالإحباط وفقدان الثقة بالعمل العام ويجعل كثيرين منهم ينسحبون نهائيا من الحياة السياسية وهم يحملون قناعة بأن الأحزاب ليست سوى ساحات صراع شخصي، وهو ثانيا يضعف الأحزاب نفسها لأن أي عمل تنظيمي يدار بهذه الطريقة يفقد تماسكه وتستنزف طاقته في أزمات داخلية بدل أن ينصرف إلى بناء مشروع سياسي واضح يخاطب المجتمع.
كما أن تحريك الشباب “حسب الحاجة” سواء لإشعال الخلافات أو لإسكات الأصوات أو لإظهار قوة عددية وهمية عبر الاستقالات أو التحشيد، يعكس أزمة عميقة في الثقافة التنظيمية ويؤشر إلى عدم احترام الديمقراطية الداخلية وآليات الحوار والاختلاف الصحي، فالشباب ليسوا كتلة صماء ولا وقودا لمعارك الآخرين بل طاقة سياسية وفكرية يجب أن تصان لا أن تستهلك.
ومع ذلك فإن ما جرى داخل الحزب المدني الديمقراطي أظهر أن هذه السلوكيات يمكن التوقف عندها والحد منها، وأن التعامل معها فتح مساحة أوسع أمام الشباب للمشاركة بعيدا عن التوظيف أو الاستغلال.
وأي حديث جاد عن الإصلاح السياسي والتحديث الحزبي لا يمكن أن يستقيم دون مراجعة صريحة لهذه الممارسات ووضع معايير واضحة تضمن أن يكون انخراط الشباب قائما على الوعي والاختيار الحر لا على التجييش أو التوظيف، المطلوب هو أحزاب تحترم عقول شبابها وتتعامل معهم بوصفهم شركاء في الرؤية والمسار، لا أدوات تستدعى عند الأزمات ثم يستغنى عنها.
فاستغلال الشباب قد يحقق مكاسب لحظية لبعض الأشخاص أو التيارات لكنه على المدى المتوسط والبعيد يدمّر الثقة ويضعف العمل الحزبي ويضر بالمجتمع السياسي ككل، والتجارب القاسية التي مررنا بها يجب أن تكون درسا لا يكرر لا مبررا لمزيد من العبث بمستقبل الشباب والعمل العام.
* مساعدة الامين العام عن فئة الشباب - الحزب المدني الديمقراطي