من كيسنجر إلى فوضى اليوم: من يدير الصراع ومن يدفع الثمن؟
سمير حمدان - بودابست
26-02-2026 08:55 AM
عندما صدر كتاب «هنري كيسنجر وإدارة الصراع الدولي» للمفكر والسياسي المصري أمين هويدي عام 1983، لم يكن التعامل معه كسيرة لرجل نافذ اسمه هنري كيسنجر، بل كمدخل لفهم مرحلة كاملة من تاريخ السياسة الدولية.
في ذلك الزمن، كان الصراع واضحًا بين معسكرين. التوتر قائم، والعداء صريح، لكن هناك حدودًا يعرفها الجميع لم يكن أحد يملك رفاهية الخطأ. الخوف من الانفجار النووي فرض انضباطًا على القرار. كانت الرسائل تُحسب، والخطوات تُقاس، وحتى في أقسى اللحظات بقيت قنوات الاتصال مفتوحة.
الفكرة لم تكن القضاء على الخصم، بل إبقاءه داخل توازن يمنع الانفلات لم يكن الهدف بناء عالم مثالي، بل منع العالم من الانهيار ، إدارة الصراع كانت تعني التحكم بدرجة الحرارة قبل أن ترتفع .
اليوم، الصورة مختلفة ، لم يعد هناك معسكران ثابتان ، القوى تعددت، والمصالح تشابكت، والتحالفات أصبحت مرنة ، العالم لم يعد منقسمًا بوضوح، بل متداخلًا بطريقة تجعل أي مواجهة محدودة تمتد آثارها سريعًا إلى خارج حدودها.
الحرب في أوكرانيا مثال واضح ، سنوات تمرّ ولا حسم مواجهة مستمرة، ضغوط متبادلة، وآثار تتجاوز ساحة القتال ، الصراع لم يُغلق، بل تحوّل إلى حالة طويلة النفس ، لا انتصار حاسم، ولا تسوية قريبة.
لكن التحول الأعمق ليس في شكل الصراع، بل في طريقة التفكير ،زمن الحرب الباردة، كان القرار يُصنع ببطء، تحت حسابات دقيقة. اليوم القرار يتأثر بلحظة إعلامية، بضغوط داخلية، بانتخابات قريبة ، الزمن السياسي أصبح أقصر، بينما المخاطر أصبحت أكبر.
وهنا المفارقة كلما تعقّد العالم، أصبح القرار أسرع وكلما زادت المخاطر، تقلّص النفس الطويل.
حين أعود إلى قراءة تلك المرحلة، لا أبحث عن بطلٍ ضائع، ولا عن مدرسة أتبنّاها ، هنري كيسنجر لم يكن رجل سلام بالمعنى الأخلاقي للكلمة، ولم يعمل إلا ضمن حسابات المصلحة الأميركية، التي التقت كثيرًا مع مصالح إسرائيل وتقاطعت مع حسابات القوى الكبرى الأخرى ، سياساته لم تكن محايدة، وكانت في كثير من الأحيان قاسية ومصلحية إلى أقصى حد حتى في سنواته الأخيرة، حين زار كيسنجر بكين قبل رحيله، لم يتخلَّ عن منطقه القديم ، كان يحذّر من دفع الصين إلى مواجهة شاملة مع واشنطن، لأن عزل قوة كبرى قد يدفعها إلى توثيق شراكتها مع روسيا بصورة أعمق ، لم يكن يدعو إلى تنازل، بل إلى فهم أن التوازن لا يُدار بالشعارات، بل بالحسابات البعيدة.
سواء اتفقنا معه أم لا، فإن الفكرة التي بقي متمسكًا بها واضحة: الصراع يمكن احتواؤه إذا أُدير بعقل بارد، لكنه يصبح أخطر إذا تحوّل إلى اختبار إرادات مفتوح.
اليوم لا يبدو أن الخوف من الانفجار هو ما يفرض الحذر، بل الخوف من الظهور بمظهر المتراجع وهذه معادلة مختلفة. في الماضي كان القلق من الحرب الكبرى يضبط الإيقاع اليوم القلق من الداخل السياسي يضغط على القرار.
نحن لا نعيش حربًا عالمية شاملة، لكننا نعيش توترًا دائمًا أزمات تتجدد قبل أن تُحل، مناطق ملتهبة لا تبرد تمامًا، وقوى تختبر حدود بعضها البعض باستمرار الاعتياد على القلق أصبح جزءًا من المشهد.
الخطر ليس في مواجهة واحدة كبرى، بل في تراكم الاحتكاكات الصغيرة كل أزمة تُدار منفصلة عن الأخرى، من دون رؤية شاملة للصورة الكبرى كأن العالم يتعامل مع كل حريق وحده، من دون أن يسأل لماذا تتكاثر الحرائق.
حين أعود إلى تلك القراءة القديمة، لا أفعل ذلك بدافع الحنين، بل بدافع المقارنة إدارة الصراع لم تكن عادلة دائمًا، لكنها كانت واعية بأن الانزلاق قد يكون نهائيًا ، اليوم هناك ثقة مفرطة بأن كل شيء يمكن إصلاحه لاحقًا.
لكن التاريخ لا يمنح دائمًا فرصة ثانية وبعض الأخطاء إذا تراكمت تتحول إلى واقع دائم.
ما يقلقني أن العالم بدأ يتكيف مع مستوى أعلى من الاضطراب كأن التوتر أصبح القاعدة، والاستقرار هو الاستثناء وهذا أخطر من الحرب نفسها، لأنه يغيّر المعايير بهدوء.
السؤال لم يعد من الأقوى، بل من الأهدأ
من يملك القدرة على التفكير بما بعد اللحظة؟
من يستطيع أن يضع حدودًا قبل أن تذوب الحدود؟
إذا غاب هذا النوع من القيادة، فإن الثمن لن تدفعه القوى الكبرى وحدها ، تدفعه الدول المتوسطة، والمجتمعات القلقة، والاقتصادات التي لا تملك هامش الخطأ.
وأقولها بوضوح ما نراه اليوم ليس توازنًا مستقرًا، بل حالة تعتمد على حسن التقدير أكثر مما تعتمد على نظام واضح وإذا أصبح الاضطراب هو الوضع الطبيعي، فإن الجميع سيدفع الكلفة، عاجلًا أم آجلًا.
من يدير الصراع اليوم؟
وهل ما زال هناك من يؤمن بأن التوازن يحتاج إلى صبر… لا إلى سرعة ؟