إدارة البنية التحتية .. دعوات للانتقال من منظور المشاريع إلى حوكمة الأصول
24-02-2026 12:23 PM
عمون - تطرح ورقة سياسات متخصصة حول واقع البنية التحتية في الأردن رؤية تحديث شاملة تدعو إلى إعادة هيكلة طريقة إدارة القطاع، والانتقال من نموذج التوسع في إنشاء المشاريع إلى نموذج متكامل لإدارة الأصول الوطنية والاستدامة المؤسسية، في خطوة تُعدّ تحولًا نوعيًا في التفكير التنموي والإداري في المملكة.
وجاءت هذه الورقة في سياق النقاشات المهنية التي أطلقتها نقابة المهندسين الأردنيين ضمن سلسلة حلقات نقاشية متخصصة تبحث القضايا الوطنية المرتبطة بالعمل الهندسي والتنمية الاقتصادية، حيث تناولت الجلسة الأولى مستقبل البنية التحتية في الأردن من منظور استراتيجي طويل المدى.
وتخلص الورقة إلى أن التحدي الأساسي الذي تواجهه المملكة لا يتمثل في نقص المشاريع أو الموارد، وإنما في نموذج إدارة البنية التحتية ذاته، وما يرافقه من اختلالات مؤسسية وتشريعية وتمويلية تؤثر في كفاءة تشغيل الأصول واستدامتها.
تؤكد الورقة أن البنية التحتية أصبحت ركيزة أساسية في الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والنمو الاستثماري، وتتجاوز كونها مجرد خدمات أو مشاريع هندسية. وتشمل هذه المنظومة قطاعات حيوية مثل المياه والطاقة والنقل والاتصالات والمباني العامة، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بجودة الحياة وكفاءة الاقتصاد الوطني.
وترى الورقة أن التعامل مع البنية التحتية بوصفها ملفًا قطاعيًا منفصلًا لم يعد كافيًا، بل يجب النظر إليها باعتبارها مشروعًا وطنيًا طويل الأمد يتطلب حوكمة مؤسسية متكاملة وتخطيطًا استراتيجيًا مستدامًا.
ومن أبرز ما تكشفه الورقة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في محدودية الموارد المالية، بل في ضعف إدارة الأصول والبنية التحتية بعد تنفيذها. إذ تشير التحليلات إلى أن السياسات العامة تميل إلى إعطاء الأولوية للمشاريع الجديدة على حساب الصيانة والتشغيل وإدارة دورة الحياة، ما يؤدي إلى تسارع تدهور المنشآت وارتفاع كلفة إصلاحها لاحقًا.
ويؤكد خبراء أن هذا النموذج ينتج ما يُعرف بـ"اقتصاد الإصلاح المتأخر"، حيث تتضاعف التكاليف نتيجة غياب الصيانة الوقائية والتخطيط طويل المدى.
وتطرح الورقة تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة البنية التحتية يقوم على التعامل مع المنشآت باعتبارها أصولًا اقتصادية طويلة الأمد، تتطلب إدارة شاملة لدورة حياتها الكاملة، بدءًا من التخطيط والتصميم وصولًا إلى التشغيل والصيانة والتجديد.
ويتضمن هذا التوجه إنشاء قواعد بيانات وطنية للأصول، وتطوير أنظمة رقمية لتتبع حالتها، واعتماد منهجيات علمية لتقييم الأداء والكفاءة التشغيلية، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد العامة.
وتبرز الورقة وجود فجوات واضحة في الحوكمة المؤسسية، من بينها تشتت المسؤوليات بين الجهات الحكومية، وتداخل الصلاحيات، وضعف التنسيق المؤسسي، وغياب إطار تشريعي شامل ينظم إدارة البنية التحتية.
وترى الورقة أن إصلاح الحوكمة يمثل شرطًا أساسيًا لتحسين الكفاءة الاقتصادية للمشاريع العامة، مشيرة إلى أن جودة البنية التحتية في الدول المتقدمة ترتبط أساسًا بجودة الإدارة المؤسسية لا بحجم الإنفاق.
كما تدعو الورقة إلى إعادة النظر في نموذج تمويل البنية التحتية، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الموازنة العامة والمنح، وهو ما يفرض ضغوطًا مستمرة على المالية العامة.
وتقترح تطوير نماذج تمويل مبتكرة تقوم على استرداد الكلفة، وتعزيز الشراكات طويلة الأمد، واستقطاب الاستثمارات الرأسمالية، بما يضمن استدامة مالية طويلة الأمد للقطاع.
وتحذر الورقة من أن ضعف الاستثمار في الصيانة الوقائية يمثل أحد أبرز أسباب تدهور البنية التحتية، مؤكدة أن الاستثمار في الصيانة يعد سياسة اقتصادية رشيدة تساهم في خفض الكلف على المدى الطويل وتحسين كفاءة الخدمات.
كما شددت على أهمية تعزيز إدارة المخاطر والجاهزية للأزمات في ظل تزايد تأثير التغير المناخي والضغوط الحضرية.
وتولي الورقة أهمية خاصة لدور البلديات والإدارة المحلية، مؤكدة أن تحقيق استدامة البنية التحتية يتطلب إعادة هيكلة المؤسسات المحلية وتعزيز كفاءاتها الفنية والهندسية ومنحها صلاحيات تشغيلية أوسع.
كما تدعو إلى تطوير برامج تدريب متخصصة في إدارة المشاريع والبنية التحتية وإدخال تخصصات حديثة في مجالات التشغيل وإدارة الأصول.
وتشير الورقة إلى دور متزايد للقطاع الهندسي والمؤسسات المهنية كشريك في صنع السياسات العامة، من خلال تقديم الدراسات الفنية والتدقيق على المشاريع وتطوير المعايير المهنية وبناء القدرات الوطنية.
ويرى خبراء أن تعزيز هذا الدور يسهم في تحويل المعرفة الفنية إلى أدوات لدعم القرار الحكومي وتحسين جودة المشاريع الوطنية.
وتقترح الورقة برنامج تحديث وطني متعدد المحاور يشمل تطوير التشريعات، وتعزيز الحوكمة، وبناء منظومة لإدارة الأصول، وإصلاح نماذج التمويل، وتمكين الإدارة المحلية، وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وتشير إلى أن تطبيق هذه التحديثات الجوهرية من شأنه أن يؤدي إلى خفض الهدر المالي، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، ودعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتخلص الورقة إلى أن مستقبل التنمية في الأردن يرتبط بقدرة المؤسسة الرسمية على إدارة مواردها بكفاءة واستدامة، مؤكدة أن المؤسسة الرسمية المتقدمة لا تُقاس بحجم المشاريع التي تنفذها، بل بقدرتها على إدارة الأصول العامة بكفاءة وفاعلية.
ويرى مختصون أن التحول نحو نموذج إدارة الأصول الوطنية يمثل خطوة أساسية لبناء اقتصاد أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.